 |
الحياة الفكرية في عصر ابن عساكر:
ورث عصر المائة السادسة عن سابقه من القرون 3-5هـ/9-11م المسجلة في قمة الهرم الحضاري، تركة ثقيلة أورمت كاهل الحضارة الإسلامية عقيدة وفكرا ونتاجا، ألا وهي ظاهرة تسييس الفكر وعسكرة الحوار، ولعل نشأة الدولتين الأوليين الأموية والعباسية القائمة على أساس قبلي وراثي استبدادي ومؤطر بإطار ديني( ) وإيديولوجية تسمح بإلغاء أو مصادرة حقوق وآراء غيرهم من قريش كالأسرة العلوية( )ومن غيرها كالخوارج( )، كانت بداية أتاحت الى استمرار هذا المنحى المتسم بالعنف، سيما أن العباسيين استخدموا ضغوطا على كبار الفقهاء وتعرضوا جراءها للتعزير والضرب والحبس والاشغال المرهقة مثل الامام أبي حنيفة(-150هـ/767م) والامام مالك (-179هـ/795م) ( ) فضلا عن ما اقترفوه مع أئمة أهل البيت من استجلاب وتعيين يعقبه حبس وقتل كالإمام الكاظم والرضا والعسكريين ، ومارسوا ضغوطا مختلفة على القضاة لإدامة بقائهم وإشباع غريزة الحكم وتحقيق أهداف سياسية واقتصادية تعزز من فرض قبضتهم ونشر سطوتهم على المجتمع. وفي القرن 2هـ/8م تبلور علم الكلام وطفق على السطح المذاهب الفكرية من خوارج ومرجئة وقدرية ومعتزلة، وانقسم الشيعة الى إمامية وزيدية وكيسانية، وانقسم السنة الى أهل الحديث وأصحاب الرأي، واختلفوا في الفقه مذاهب: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية. ولا مناص من القول أن اختلاف الرأي جملة وتفصيلا ظاهرة إنسانية صحية تسهم في تطور الفكر والاضطلاع بأسبابه مادامت مرجعيتها الى مداد العلماء ولغتهم التي تعتمد الحوار بقاعدة:"وجادلهم بالتي هي أحسن" . وفي القرن 3هـ/9م عجز أصحاب الفكر عن الثبات في الدفاع عن مبادئهم بالوسائل السلمية ولجأ المعتزلة بمسائل الخلاف الى قصور الخلافة واستعانوا على خصومهم واستأنس الخليفة المأمون (198 -218 هـ/813 -833م) لحاجة في نفسه أن ينال من الفقهاء وأهل الحديث يلزمهم ما لا يلزم أو السيف والسجن ويعرضهم على محاكم التفتيش على الطريقة الإسلامية حتى نشبت محنة خلق القرآن التي لم تكد تهدأ، وانقلب المجن على عقب لما تولى المتوكل الخلافة (232-247هـ/847-861م) فأبطل المحنة، واستعان به الذين نكبوا بالأمس واستخدموا سلاح التكفير والردة ضد خصومهم، حينئذ أعلن الخليفة في سنة (237 هـ/852م) سخطه على الاعتزال والمعتزلة ونكبهم حتى انتهت فورة الاعتزال السياسي الى حين، وامتدت يد العنف الى الخصوم التقليديين شيعة أهل البيت واستبيحت شخوصهم ورموزهم وطقوسهم، والمتمثلة في هدم قبر الحسين سبط الرسول ومنع زيارته( )، ولبث الجو خاليا للسلفيين فتجمدت حركة الفكر, ومن مظاهر هذا التجمد إيقاف ظاهرة الاجتهاد لدى الفقهاء والزموهم على أن لا يتجاوز أحد هامش أفكار من سبقهم من الائمة. وفي بداية القرن 4هـ/10م، ظهر أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (260 –324هـ /874 -935م)( ) كمجدد لمذهب أهل السنة، وكان معتزليا أفاد منهم وانتقض عليهم، وفي سنة 370هـ/981م تحول علم الكلام الى معركة فكرية سياسية بين الأشعرية وبين المعتزلة، وانقسم علماء الكلام سياسيا جبهتين: وقف المعتزلة مع الشيعة الى جانب الدولة البويهية، وعاشت فورة المعتزلة على الأشعرية حتى سنة 447هـ/ 1055 م ، حيث وقف أهل السنة بما فيهم الأشاعرة والمتصوفة الى جانب الدولة السلجوقية في وجه المعتزلة والشيعة( ) فقتلوا وشردوا، وكانت محنتهم هذه فيصلا في حياتهم السياسية والفكرية، إذ انتبذ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385-460هـ/995-1068م) النجف الأشرف مدرسة لأصحابه . فضلا عن اشتعال الفتن بين الأشاعرة والحنابلة( ) ولعنت الرافضة والاشاعرة على المنابر( ). وفي الشام كان الخلاف الطائفي يغذيه الصراع بين الدولتين العباسية والفاطمية حتى تسلط صلاح الدين على مصر فأنهى نزاع القوم بالقضاء على الخلافة الفاطمية سنة (567هـ/1172م) وتمكن من اضطهاد متعلقاتها الفكرية والحضارية. بيد أن الإرث الحضاري الذي اكتنف القرن 6هـ/12م قيّد مسار الإبداع والتجديد فيه وجعله يجتر المعارف السابقة على سبيل الشرح والإيضاح ويعطي القدسية لأفكار السابقين باعتبارها خطوطا مثالية لا يمكن تجاوزها، وحسبه انه اقترن بالعناوين في فقه المذاهب الأربعة، إلا انه لم يتوقف فامتد الى الفقه الجعفري ولم ينفعه انه تحصن عن الجمود بالاستمرار بفتح باب الاجتهاد، فأن فقهاء هذا العصر لم يجدوا القدرة على مناقشة آراء شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي في الفقه والأصول( )، زهاء مائة سنة حتى أطلق عليها قرن التقليد, في حين أجاد العلماء فيه التصنيف في العقائد والأدعية( ). ونعزو ذلك الى عدم التعددية في المشيخة والتزام شيخ واحد مدعاة لأن تجترح القدسية له, والى الابتعاد عن أجواء التلاقح الفكري والحوار مع المذاهب الأخرى في الكلام والأصول ومسائل الخلاف التي كانت متاحة ببغداد قبل استبداد السلاجقة بالسلطة. ولم تعد هذه الظاهرة مقتصرة على الدراسات الدينية فحسب بل انسحبت الى العلوم الأخرى معظمها، ففي التاريخ لم يكتب تاريخ عام إلا كان عيالا على مادة تاريخ الطبري إن لم يكن ذيلا عليه، كابن الجوزي في المنتظم وابن الأثير في الكامل, وإن هما سجلا إبداعا في توريخ ما بعد الطبري حتى عصرهم. وفي الفلسفة لم تتجاوز آراء فلاسفة المسلمين الأوائل كالكندي (252هـ/866م) والفارابي (339هـ/950م) إلا بقليل، وفي الشعر جاروا الشعراء الكبار نحو: الفرزدق وجرير في نقائضهما وأبي تمام والبحتري في الحماسة والمتنبي شاعر الحكمة في اللفظ والمعنى، أما العلوم الصرفة كالطب والهندسة والرياضيات والفلك وكذلك الترجمة فقد كانت اكثر خمولا فلم يبرز مثل ابن سينا (-252 هـ/997 م)والخوارزمي (-232 هـ/847 م) والبتاني(بعد -317هـ/929 م) والبيروني (-442 هـ/1050 م) وقسطا بن لوقا (-300 هـ/913 م). ولا يعني أن هذه الحقبة بقيت تلعق آثار الصراعات وسقط المعارف وأنها كانت خلوا من النتاج المبدع الذي يناسب طبيعة المرحلة، فقد تألق فيها عدد كبير من العلماء والأدباء والشعراء والمفكرين وظل نتاجهم متميزا في سجل تاريخ العلم والأدب ومثار عناية أمثالهم فيما بعد بين التقليد والتجديد. فعلى صعيد العلوم الدينية برز في الحديث والفقه من فقهاء الحنفية: الحسين بن محمد بن خسرو البلخي (-526 هـ/1132م)؛ ومن فقهاء الشافعية ابن الرطبي احمد بن سلامة (-527 هـ/1133م)، وابن الرزاز البغدادي سعيد بن محمد (- 539 هـ/1145م)؛ ومن فقهاء الحنابلة احمد بن الحسين ابو غالب بن البناء (-527 هـ/1133م)، وابن الزاغوني علي بن عبيد الله (-527هـ). ومن فقهاء المالكية القاضي عياض اليحصبي (-544هـ/1149م) له: ترتيب المدارك في طبقات المالكية. وابن خير الاشبيلي (-575هـ/1179م) له: فهرست ما رواه عن شيوخه. ومن فقهاء الشيعة: الحسن بن أبي جعفر الطوسي (-515 هـ/1121م) ومحمد بن الحسن حفيد الطوسي (-540هـ/1146م) ومنتجب الدين ابن بابويه الرازي (- بعد 585هـ/1189م) صاحب فهرسة أسماء أعلام الشيعة، وابن شهر آشوب محمد بن علي (-588هـ/1192م) له: مناقب آل أبي طالب، ومعالم العلماء. ومن فقهاء الزيدية عمر بن إبراهيم الحسيني الزيدي الكوفي (-539 هـ/1145م). وفي التفسير رشح جار الله الزمخشري (-513 هـ/1119م) صاحب: الكاشف عن حقائق التنزيل؛ وفي الأدب واللغة تميز الخطيب التبريزي (502هـ/1109م) وله من الكتب: الملخص في أعراب القرآن، شرح المعلقات، شرح ديوان الحماسة لأبي تمام، وشرح سقط الزند للمعري, وابن الجواليقي موهوب بن احمد(-540هـ/1145م) صاحب "المعرب، وشرح أدب الكاتب"؛ وفي النحو برز ابن الشجري هبة الله بن علي(-567 هـ/1172 م) وله أثار في الكتابة والبلاغة والعروض والتاريخ، وكمال الدين ابن الأنباري(-577 هـ/1181 م) وله: "نزهة الالباء في طبقات الأدباء، وكتاب الأنصاف في مسائل الخلاف، وتاريخ الأنبار". وفي التاريخ امتاز أبو القاسم ابن عساكر(-571 هـ/1175 م) صاحب تاريخ دمشق، وأبو سعد السمعاني(-562 هـ/1167 م) له "كتاب الانساب وذيل تاريخ بغداد"، وابن صاحب الصلاة عبد الملك بن محمد (594 هـ/1198 م) له "تاريخ الموحدين"، وابن المرستانية عبيد الله(599 هـ/1203م)وله "ديوان الإسلام الأعظم في تاريخ مدينة السلام". ولقيت فنون الادب نهوضا ملحوظا بخاصة في العراق والشام ومصر, عزاه بعض الباحثين( ) الى تنوع المواضيع الشعرية وتكاثر المقاصد الكتابية التي تواكب الاحداث الخطيرة, نحو حروب الفرنجة وصراع الخلفاء العباسيين وسلاطين السلاجقة ونشأة الدولة الأيوبية, فمن الشعراء نجَمَ مؤيد الدين الطغرائي (-514هـ/1121م) وكان من المهتمين بالكيمياء، وابن الخياط احمد بن محمد الدمشقي(-517 هـ/1123 م) وابن خفاجة إبراهيم بن أبي الفتح الأندلسي(-533 هـ/1139 م)؛ وفي النثر اشتهر الحريري(-516 هـ/1122 م) صاحب المقامات؛ وفي الأمثال عرف الميداني(518 هـ/1124 م) صاحب "مجمع الأمثال". وفي الفلسفة: أبو حامد الغزالي(-505هـ/1111م)صاحب "إحياء علوم الدين"، وابن سهلان عمر الساوي(-540 هـ/1145 م) له أراء وكتب في المنطق والفلسفة، وابن طفيل محمد بن عبد الملك(-581 هـ/1185 م) وله تصانيف في أنواع الفلسفة من الطبيعيات والإلهيات والطب والفلك، وابن رشد محمد بن احمد(-595 هـ/1199 م) شرح أثار أرسطو وله نحو 80 كتابا؛ وفي الكلام: أبو الفتوح محمد بن الفضل الاسفرايني( -538 هـ/1143 م)، وأبو الفتح الشهرستاني(-548 هـ/1153 م)، صاحب الملل والنحل؛ وفي الطب والعلوم الحكمية والنجوم عرف ابن العين زربى عدنان بن ناصر(548 هـ/1153 م). وهؤلاء غيض من فيض نتاج الحركة الفكرية في هذا القرن، والتي استمدت رحيقها من مادة القرون الثلاثة السابقة، وكانت حلقة وصل بينهما وبين حقب تلتها. ونستشف من خلال هذه القراءة أن القرن 6 هـ/12 م لم يكن جدبا في نشاطه الفكري في حين لم يكن فاعلا يضطلع بالنهوض بالتبعات الحضارية للقرون السابقة إذ لم يتجاوزها نحو الأحسن والأمثل في النظرية والتطبيق، ولكن ظل يراوح بين النكوص والثبات لولا أن ظهر فيه من الوزراء مثل نظام الملك الحسن الطوسي, ومؤيد الدين الطغرائي ولولا أن رشح فيه علماء أعلام أتراب ابن عساكر اشرأبت أعناقهم الى سمو الحضارة والحفاظ على معالمها وكانوا قد مثلوا جذوة الحركة المعرفية في المراكز الفكرية بالبلاد الإسلامية في عصرهم.
هوامش: (( الخلافة عند الأمويين من الله وعلى الناس الطاعة، ويستمد الخليفة سلطته من القوى المادية ومن رضا رؤساء القبائل الموالية. والخلافة عند العباسيين تتسم بالقداسة ويستمد الخليفة سلطانه من الله. احمد مختار ألعبادي: تاريخ الحضارة الإسلامية العربية(الكويت، ذات السلاسل 1986 م) 140 . (( الخلافة عند الشيعة مقصورة على آل بيت النبي بدءً بعلي بن أبي طالب على أساس الكفاية والنص عليه من قبل الرسول . ألعبادي: م.ن. (( الخلافة عندهم غير محصورة ببيت اوبجنس (قومية ) أو لون بل الخلافة لله أي الأمة التي تختار الشخص الصالح. العبادي: م.ن. ( ) كان مالك وأبو حنيفة يحتجان إلى محمد ذي النفس الزكية حين خرج من الحجاز ويريدون أن امامته أصح من امامة المنصور لانعقاد البيعة له من قبل فتأدت اليهما المحنة بسبب ذلك ايام أبى جعفر حتى ضرب مالك سبعين سوطا على الفتيا في يمين المكره وحبس أبو حنيفة على القضاء. ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون 4/3, وينظر ابن قتيبة: الامامة والسياسة 2/200، الطبري: تاريخ 6/238، السمعاني: الانساب 1/174. (( قال الطبري: وفيها(سنة 236 ) أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن على وهدم ما حوله من المنازل والدور وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره وان يمنع الناس من اتيانه. محمد بن جرير: تاريخ الامم والملوك، 8 أجزاء (بيروت، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات) 7/ 365. (( مؤسس مذهب الاشاعرة، ولد بالبصرة وتوفي ببغداد, وقيل ان وفاته سنة 320هـ أو 330هـ , ومن مصنفاته: " الابانة في أصول الديانة"، مقالات الاسلاميين. ابن عساكر: تبيين كذب المفتري(المقدمة) بروكلمان: تاريخ الادب4/38. ( ( قال ابن الجوزي: فقتل وصلب بعض من كان يتظاهر به من الغلو في الرفض بباب الطاق وهرب أبو جعفر الطوسي...متكلم الشيعة بالكرخ ونهبت داره وأخذ ما وجد من دفاتر وكرسي كان يجلس عليه للكلام وأخرجت الى الكرخ وأحرقت. المنتظم 8/172, 179, وينظر: ابن الاثير: الكامل8/79, 81, 151. (( ابن الجوزي: المنتظم 8/163 ،305 ،9/214، 221 ، ابن الاثير: الكامل 8/131، 325،378،41 (( في سنة 465 حسّن الوزير عميد الملك الكندري للسلطان طغرلبك التقدم بلعن الرافضة, فأمره بذلك فأضاف إليهم الأشعرية ولعن الجميع. الكامل في التاريخ 8/365, 481. (( حسن عيسى الحكيم: الشيخ الطوسي(النجف الاشرف, مطبعة الاداب1975م)102-106. (( ينظر: محمد الغروي: مع علماء النجف الأشرف (بيروت, دار الثقلين1999م) 1/89. ( ) مصطفى جواد: شعراء العراق في القرن السادس, (في التراث العربي , وزارة الاعلام 1979) 2/52.
التقييم :
1
|
2
|
3
|
4
|5
|
 |