-» الدستور الاردني
-» بحوث سياسية
-»
حفرالباطن, الحفر, أخبار الحفر, بنات الحفر, دليل الحفر.
-»
الدستور الاردني وقانون حرية الانسان الشخصية
المقدمة :-
نص الدستور الأردني على قاعدة أساسية وهي أن حرية الإنسان الشخصية مصونة( ) وانطلاقاً من هذه القاعدة، فإن له أن يتصرف بأمواله بما يشاء من التصرفات ولمن يشاء ما دام أنه لا يخالف النظام العام والآداب العامة وما دام أنه كامل الأهلية وغير محجور عليه.
وبما أن أموال المدين تشكل الضمان العام للدائنين، مما يترتب على ذلك أن تصرفاته النافعة تزيد من ذمته المالية وبالتالي تقوي الضمان العام للدائنين، أما تصرفاته الضارة فإنها تنعكس سلباً على ذمته المالية، وبالتالي تضعف الضمان العام للدائنين، ومن هنا كان لابد من إيجاد وسائل قانونية لحماية حقوق الدائنين في هذا الضمان والمحافظة عليه من تصرفات المدين بأمواله بصورة تؤدي إلى إلحاق الضرر بحقوق الدائنين.
ولقد اقر المشرع الأردني، شأنه في ذلك شأن معظم التشريعات وسائل قانونية لحماية الضمان العام للدائنين ومن بين هذه الوسائل دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن (الدعوى البوليصية) ونص عليها في المواد من 370-374 من القانون المدني.
وتعرف هذه الدعوى بأنها الوسيلة التي يتمكن بها الدائنين من مراقبة تصرفات المدين الذي اختلت أحوالهم المادية، فبات عاجزاً عن الوفاء بديونه( ) وأما عن سبب اختياري للبحث في هذا الموضوع فيعود إلى:-
أولاً:- أهمية هذه الدعوى من الناحية النظرية والقانونية وإبراز أهميتها من الناحية العملية باعتبارها وسيلة قانونية لحماية حقوق الدائنين من تصرفات مدينهم الضارة بهم كقيامهم بتهريب أموالهم من الضمان العام للدائنين حتى لا يتمكن الدائنون من التنفيذ عليها لتحصيل حقوقهم.
ثانياً:- قلة الأبحاث القانونية التي تناولت أحكام هذه الدعوى في ضوء القانون المدني الأردني الذي استقى غالبية أحكامها من الفقه الإسلامي وبالذات من الفقه المالكي، والبعض الأخر من الفقه الغربي وأما الأبحاث القانونية التي تناولت هذه الدعوى بالبحث فقد كان معظمها يبحثها من خلال أحكام الالتزام بشكل عام وعلى ضوء أحكام الفقه الغربي.
وسأتناول دراسة هذه الدعوى من خلال فصل تمهيدي وثلاثة فصول وخاتمة.
1- أما الفصل التمهيدي:- فسأبحث فيه مفهوم الضمان العام ووسائل حمايته.
2- وأما الفصل الأول:- فسأبحث فيه ما هية دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن.
3- وأما الفصل الثاني:- فسأبحث فيه شروط هذه الدعوى.
4- وأما الفصل الثالث:- فسأبحث فيه أثار هذه الدعوى وانقضاءها وفي الخاتمة نتعرض من خلالها لما أحرزته هذه الدراسة من ملاحظات ومقترحات.
الفصل التمهيدي
الضمان العام للدائنين ووسائل حمايته
وفي هذا الفصل سنتكلم عن مفهوم الضمان العام وعن وسائل حماية الضمان العام من خلال :-
المبحث الأول المبحث:- مفهوم الضمان .
المبحث الثاني:- وسائل حماية الضمان العام.
المبحث الأول
تحديد مفهوم الضمان العام للدائنين.
نصت المادة 365 من القانون المدني الأردني على "مع مراعاة أحكام القانون أموال المدين جميعها ضامنه للوفاء بديونه وجميع الدائنين متساوون في هذا الضمان".
ومفهوم هذا النص:-
أنه يتحدث عن قاعدة أن أموال المدين تشكل الضمان العام للدائنين وأن الدائنين يستوفون حقوقهم من أموال المدين، وأن أموال المدين هي التي تكون محلاً لهذا التنفيذ( ) لأن الالتزام لم يعد علاقة بين شخصين يخول الدائن بموجبها سلطة على شخص مدينه وإنما أصبح الالتزام علاقة بين ذمتين، وأصبحت الذمة المالية هي الضمان العام لحقوق الدائنين، والذمة المالية تعني الوعاء الذي يجمع ما للانسان من حقوق وما عليه من التزامات في الحال وفي المستقبل( ).
وعليه فإن جميع أموال المدين الحاضرة والمستقبلة تضمن الوفاء بحقوق دائنيه، وأن أي مال من امواله يضمن الوفاء بجميع ديونه، وأن أي دين من ديونه تضمنه جميع أمواله، ويستطيع الدائن التنفيذ على أي مال يملكه المدين
وقت التنفيذ سواء أكان عقاراً أم منقولاً إلا ما استثنى من هذه الأموال سواء بطبيعته أو بنص القانون( )، وهذا ما نصت عليه المادة 29 من قانون التنفيذ( ) وكذلك المادة 142 من قانون أصول المحاكمات المدنية( ).
وقد كانت بعض هذه الاستثناءات لاعتبارات إنسانية جوهرية مردها الشفقة بالمدين في أن يترك له ما يكفيه من العيش وضروريات الحياة وحتى لا يكون المدين وأسرته عبئاً على الدولة والمجتمع.
ويجب عدم الخلط بين الضمان العام والتأمين الخاص الذي يقع على مال معين للمدين لمصلحة احد دائنيه فيتقدم على غيره من الدائنين، فالضمان العام يتساوى فيه كل الدائنين ولا يتقدم فيه دائن على أخر وإنما يتقدم الدائن على غيره من الدائنين إذا كان له تأمين خاص كرهن أو امتياز( ).
وإن عدم الخلط بين الضمان العام والتأمين الخاص يتضح من خلال بيان خصائص الضمان العام وهي:-
أولاً:- الضمان العام يرد على جميع أموال المدين.
القاعدة العامة:- أن جميع أموال المدين تضمن الوفاء بديونه ومن ثم يجوز التنفيذ عليها، وهذه الأموال هي التي تكون مملوكة للمدين وقت تنفيذ الدائن بحقه، ويقتصر عليه ولا تشمل الأموال التي كان يملكها المدين وقت نشوء الدين ثم خرجت من ملكه قبل التنفيذ، لأنه ليس للدائن العادي ما للدائن ذي التأمين الخاص من حق عيني على مال محدد للمدين يخوله تتبعه ومن ثم التنفيذ عليه تحت أي يد يكون( ).
مع ملاحظة الاستثناءات الواردة بنص المادة (29) من قانون التنفيذ ونص المادة (142) من قانون أصول المحاكمات المدنية التي أشرنا إليها سابقاً.
ثانيا:- الضمان العام يتساوى فيه جميع الدائنين.
لأن الضمان العام مقرر لجميع الدائنين فهم متساوون جميعاً في اقتضاء ديونهم من أموال المدين، فإذا اشترك عدة دائنين في التنفيذ على مال للمدين ولم يكن هذا المال كافياً لسداد الديون جميعها اقتسم الدائنون المشتركون في التنفيذ المال المتحصل من التنفيذ كل بنسبة حصته في الدين وفقاً لقاعدة قسمة الغرماء.
ما لم يوجد لأحد الدائنين ضمان خاص يخوله حق التقدم كالرهن أو صاحب حق الامتياز( ).
والمقصود بالمساواة هنا هي المساواة القانونية وليست المساواة الفعلية، فقد يبادر بعض الدائنين إلى التنفيذ على الضمان العام واقتضاء ديونهم قبل غيرهم من الدائنين دون أن يتعرضوا لمشاركتهم في ثمار هذا التنفيذ( ).
ثالثاً:- الضمان العام لا يخول حق التتبع
لا يشمل الضمان العام سوى ما يكون للمدين من أموال وقت التنفيذ، فليس للدائن أن يتتبع أي مال خرج من ذمة مدينه، وفي هذا يختلف الضمان العام عن الضمان الخاص الذي يخول صاحبه حق تتبعه وملاحقته متى انتقل من يد إلى أخرى( ).
رابعاً:- الضمان العام لا يغل يد المدين
فالضمان العام لا يخول الدائن حق التدخل في إدارة المدين لامواله والتصرف فيها، بل يبقى حق المدين قائماً في إدارة أمواله حتى اتخاذ إجراءات التنفيذ أو بصدور حكم بالحجر عليه فيحرم عندئذ من إدارة أمواله ومن التصرف بها( ), أما في التأمين الخاص فيجب التفرقة بين الرهن التأميني والرهن الحيازي ، ففي الرهن التأميني يكون من حق الراهن إدارة عقاره المرهون ولحصول على غلته حتى تاريخ نزع ملكيته جبراً عند عدم وفاء الدين( ) أما في الرهن الحيازي فإن المرهون ينتقل بالقبض على يد المرتهن ولا يجوز للراهن ان يتصرف بالمرهون كالبيع أو الإجارة وغيرها إلا بقبول المرتهن( ).
المبحث الثاني
وسائل حماية الضمان العام
بما أن القانون أقر مبدأ الضمان العام للدائنين باعتبار أن جميع أموال المدين ضامنه للوفاء بديونه، فإن من مصلحة الدائنين أن يبقى هذا الضمان محافظاً عليه ويكون ذلك بالمحافظة على أموال المدين والإبقاء على ذمته المالية مليئة كي تزداد فرص استيفائهم لحقوقهم( ). وبما أن فكرة الضمان العام لا تغل يد المدين عن التصرف بأمواله وإدارتها( ). فقد يعمد المدين إلى إضعاف هذا الضمان أضراراً بالدائنين، مما يتطلب من المشرع إيجاد وسائل يمنحها للدائن لحماية الضمان العام من الإهمال أو الغش الذي قد يقع من المدين مما يؤدي إلى إنقاص الضمان العام، وقد قسمت هذه الوسائل إلى ثلاثة أقسام:-
أولاً:- الوسائل التحفظية
وهذه الوسائل على نوعين
النوع الأول:- وسائل يتخذها الدائن بالنسبة إلى حقه الذي يريد التنفيذ به أي يتخذها في ماله كان يقطع الدائن التقادم بالنسبة لحقه أو تسجيل رهن ضامن لحقه( ).
أم النوع الثاني:- فهي طرق يتخذها الدائن بالنسبة إلى أموال المدين حتى يحافظ عليها من الضياع باعتبارها الضمان العام لحقه( ) ، ومثالها الحجز التحفظي أو الاحتياطي الذي يوقعه الدائن على اموال المدين قبل وعندا إقامة الدعوى أو أثناء نظرها( ).
ثانياً:- الوسائل التنفيذية
وتشمل الإجراءات التي يتخذها الدائن من اجل التنفيذ على مال مدينه بهدف الحصول على حقه ويتم ذلك وفقاً لأحكام قانون التنفيذ الأردني.
ولا يجوز التنفيذ الا اقتضاء لحق محقق الوجود ومعين المقدار وحال الأداء وأن يكون بيد الدائن سند تنفيذي( ).
ثالثاً:- الوسائل الوسطى لحماية الضمان العام
وهي طرق وسطا ما بين التحفظية والتنفيذية، فلا هي مقصورة على مجرد التحفظ على أموال المدين كما هو الأمر في الطرق التحفظية ولا هي تؤدي مباشرة إلى استيفاء الدائن حقه كما هو الأمر في الطرق التنفيذية، بل هي تتوسط بين الطرق التحفظية والطرق التنفيذية( ).
وتمهد الطريق للتنفيذ على أموال المدين وتمنع من الإضرار بالدائنين.
وقد نظمها المشرع الأردني في القانون المدني وهي
1- الدعوى غير المباشرة المادة (366 – 367) والتي يدفع فيها الدائن عن نفسه نتائج تهاون المدين أو غشه إذا سكت عن المطالبة بحقوقه لدى الغير، فيباشر الدائن بنفسه حقوق مدينة نيابة عنه عن طريق هذه الدعوى بهدف المحافظة على الضمان العام تمهيد للتنفيذ عليه بعد ذلك( ).
2- الدعوى الصورية للمواد (368 – 369) وهي التي يدفع فيها الدائن عن نفسه نتائج غش المدين إذا عمد إلى التظاهر بالتصرف في ماله ليخرجه من الضمان العام بتصرف صوري، فيطعن الدائن في هذا التصرف بالصورية بهدف كشف حقيقته، فيتبقى بذلك مال المدين في الضمان العام تمهيداً للتنفيذ عليه بعد ذلك( ).
وقد نص عليها المشرع الأردني في المواد (368- 369).
3- الحجر على المدين المفلس المواد (375 – 386) وهو نظام قانوني يتم بمقتضاه الحجر على المدين إذا زادت ديونه المستحقة على أمواله، ويكون( ) الحجر بحكم تصدره المحكمة بناءاً على طلب المدين نفسه أو أحد الدائنين وبذلك تغل يد المدين المعسر عن التصرف بماله وابقاء هذا المال في الضمان العام للدائنين.
4- حق الاحتباس المواد (387 – 392) ويصرف حق الاحتباس (الحق في الحبس) بأنه حق الدائن الذي يكون مديناً لمدينه في أن يمتنع عن الوفاء بما التزم به تجاهه، حتى ينفذ المدين ما التزم به تجاهه (نجاة الدائن) إذا كان ذلك الدين قد ترتب في ذمته بمناسبة التزام الدائن وارتبط به( ).
5- دعوى عدم نفاد تصرف المدين في حق الدائن (البوليصية) المواد (370 – 374)ومن خلال هذه الدعوى منح القانون الدائن الحق في الطعن بتصرفات مدينه المعسر (الذي احاط الدين بماله بأن اصبحت ديونه مساوية أو تزيد على ماله) والذي يعمد إلى التصرف في ماله أضراراً بدائنيه، يطلب الدائن من خلالها عدم نفاذ تصرفات المدين في حقه، ليعود المال المتصرف فيه إلى الضمان العام للدائنين وهذه الدعوى هي موضوعنا ببحثنا.
الفصل الأول
تحديد مفهوم دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن
وفي هذا الفصل سنقوم بتعريف دعوى عدم نفاذ تصرف المدين، ونميزها عن غيرها من بعض الدعاوى، وتطورها وتاريخ نشأتها، وعن طبيعتها القانونية والتكيف القانوني لها وذلك من خلال:-
المبحث الأول:- تعريف دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن.
المبحث الثاني:0 تمييز دعوى عدم نفاذ تصرف المدين عي غريها من بعض الدعاوى.
المبحث الأول
تعريف دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن.
قد يعمد المدين إذا ساءت حالته المالية إلى القيام بإجراء تصرفات ضارة تؤثر على الضمان العام للدائنين كقيام المدين ببيع منزله لإخفاء ثمنه عن دائنيه أو أن يقوم بالتنازل عن بيته لأحد أقاربه على سبيل الهبة أو يجامل أحد دائنيه على حساب الآخرين بأن يدفع له كامل دينه حتى يفلت من قاعدة قسمة الغرماء. ومن هنا كفل المشرع للدائنين الحماية من هذه التصرفات الضارة بهم بما قرر لهم من حق الطعن بها بطلب عدم نفاذها في مواجهتهم عن طريق دعوى تسمى دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن ( ).
فالغرض من هذه الدعوى هو المحافظة على الضمان العام عن طريق حماية الدائن من تصرفات مدينهم العسر (الذي احاط الدين بماله) والضار بهم.
ولتعريف دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن، فنسلط الأضواء من خلال هذا البحث على موقف المشرع من تعريف هذه الدعوى وما قرره الفقه والقضاء بهذا الخصوص.
ولقد سكت المشرع الأردني عن وضع تعريف لهذه الدعوى شأنه في ذلك شأن اغلب التشريعات الأخرى، ونحن نعتقد أن موقف المشرع كان سليماً، لأن مهمة وضع التعريف يجب أن تترك للفقهاء وقد تعرض الفقه والقضاء لهذه المهمة:-
أما بالنسبة للفقه فقد عرفها البعض على أنها " دعوى يقيمها الدائن للطعن في التصرفات الضارة به والصادرة من مدينة المعسر بقصد حمايته من غشه والمحافظة على الضمان العام لحقوق الدائنين عن طريق المطالبة باعتباره من الغير بالنسبة لأثر هذه التصرفات كي لا تكون نافذة في حقه( ).
والبعض الأخر عرفها بـ "دعوى عدم النفاذ هي الوسيلة التي يتمكن بها الدائن من مراقبة تصرفات المدين الذي اختلت أحواله المادية فبات عاجزاً عن الوفاء بديونه( ).
أما محكمة التمييز الموقرة ففي إحدى قراراتها عرفتها بأنها " دعوى بعدم نفاذ تصرفات المدين المعسر في حق الدائن، وهي طريق يسلكه الدائن لينال من القضاء حكماً بأنه من الغير في تصرف صدر من مدينة المعسر اضر بحقوقه، أي أنها دعوى بطلان من نوع خاص، وحيث أن البطلان لا يكون الا فيما بين المتعاقدين فليس للغير أن يطلب إلا عدم نفاذ العقد في حقه"( ).
وغالبية أحكام هذه الدعوى في القانون المدني الأردني مستقاة من الفقه الإسلامي وبخاصة الفقه المالكي وأن كان المشرع قد استقى بعض أحكامها بعض التشريعات العربية ومنها القانون المدني المصري والقانون المدني العراقي وسيتضح هذا عند الحديث عن شروط الدعوى وأثارها في الفصول اللاحقة.
المبحث الثاني
تمييز دعوى عدم نفاذ تصرف المدين عن غيرها من بعض الدعاوى
قد تشتبه دعوى عدم نفاذ تصرف ببعض الدعاوى مثل الدعوى غير المباشرة والدعوى الصوريه من ناحية ومن ناحية أخرى ما يربطها بجريمة تهريب الأموال مما يقتضي التمييز بينها وبين هذه الدعاوى من ناحية وبيان علاقتها بجريمة تهريب الأموال من ناحية أخرى وذلك في من خلال:-
1- المطلب الأول:- التمييز بين عدم نفاذ تصرف المدين والدعوى غير المباشرة.
2- المطلب الثاني:- التمييز بين دعوى عدم نفاذ تصرف المدين والدعوى الصورية.
3-المطلب الثالث:- دعوى عدم نفاذ تصرف المدين وجريمة تهريب الأموال
المطلب الأول
التمييز بين دعوى عدم نفاذ تصرف المدين والدعوى غير المباشرة.
تشترك دعوى عدم نفاذ تصرف المدين مع الدعوى غير المباشرة في أن كلاهما تهدفان إلى المحافظة على أموال المدين التي تمثل الضمان العام للدائنين وأن كلاهما طرق وسطى بين الوسائل التنفيذية والوسائل التحفظية( ) وفي أن سائر الدائنين يشاركون عند التنفيذ الدائن الذي رفع الدعوى ويقسمون معه ما حصل عليه قسمة الغرماء( ).
ومع ذلك فإنهما يفترقان في عدة أمور منها:-
1- أن الدعوى غير المباشرة تعالج عمل سلبي من المدين وهو امتناعه عن استعمال حقوقه عمداً أو إهمالاً، بينما تعالج دعوى عدم نفاذ تصرف المدين عمل إيجابي من المدين وهو تصرفه في حقوقه إضراراً بالدائنين ولأن الموقف الإيجابي اشد خطورة على أموال المدين التي تمثل الضمان العام للدائنين من الموقف السلبي لذلك كانت الحماية ضد العمل الإيجابي اشد نشاطاً من الحماية ضد العمل السلبي لذا فإن الدائن يرفع دعوى عدم نفاذ تصرف المدين باسمه لا باسم المدين أما الدعوى غير المباشرة فيمارسها الدائن باسم المدين وبصفته نائباً قانونياً عنه( ).
2-حتى يجوز للدائنين الطعن بدعوى عدم نفاذ تصرف المدين لابد أن يكون التصرف الذي قام به المدين تصرفاً قانونياً، أما أعمال المدين المادية أو مواقفه السلبية فلا تكون محلاً للطعن بدعوى عدم نفاذ تصرف المدين ولو أدت هذه الأعمال إلى إعساره أو زيادة هذا الإعسار كأن يرتكب المدين فعلاً غير مشروع سواء أكان عمداً أو إهمالاً ترتب عليه التزامه بالتعويض، أو عدم مطالبة المدين بحق له لدى الغير المدة المقررة لسقوط هذا الحق بالتقادم فمثل هذه الأعمال والمواقف السلبية لا تكون محلاً للطعن بدعوى عدم نفاذ تصرف المدين( ). أما في الدعوى غير المباشرة فيجوز استعمال جميع حقوق المدين الا ما كان متصلاً بشخصه أو لا يقبل الحجز( ).( )
3- أن دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في القانون المدني الأردني لا تشترط أن يكون حق الدائن مستحق الأداء إذا ما أقيمت هذه الدعوى في مرحلة إحاطة الدين بمال المدين (المادة 370)، أما إذا أقيمت الدعوى في مرحلة المطالبة أو ما تسمى حالة التفليس العام فيشترط في حق الدائن أن يكون مستحق الأداء (المادة 371) أما في الدعوى غير المباشرة فلا يشترط في حق الدائن أن يكون مستحق الأداء وإنما يكفي أن يكون حقه ثابتاً (المادة 366/1).
4- في دعوى عدم نفاذ تصرف المدين يشترط في الدائن أن يكون حقه سابقاً على التصرف المطعون فيه، ولا يشترط في الدعوى غير المباشرة أن يكون حق الدائن سابقاً على ثبوت حق المدين الذي يطالب به الدائن نيابه عنه( ).
المطلب الثاني
التمييز بين دعوى عدم نفاذ تصرف المدين والدعوى الصورية( )
تشترك كل من دعوى عدم نفاذ تصرف المدين والدعوى الصورية في أن كل منهما يواجهان التصرفات التي يقوم بها المدين بهدف إخراج أمواله أو بعضها من الضمان العام للدائنين سواء أكان تصرفه جدياً أو صورياً وفي كلتا الحالتين لا ينفذ تصرف المدين في حق الدائن وتبقى أمواله داخل الضمان العام.
ورغم هذا التشابه إلا أن الفرق بين الدعويين يكمن في الأحوال التالية:-
1- أن المدين في دعوى نفاذ تصرف المدين يتصرف في ماله تصرفاً جدياً، بينما في الدعوى الصورية فإن المدين يتصرف في ماله تصرفاً صورياً (أي غير حقيقي).
2- من حيث الأثر المترتب ففي دعوى عدم نفاذ تصرف المدين يهدف الدائن إلى إدخال شيء خرج من ملك المدين، أما في الدعوى الصورية فالدائن يهدف إلى استبقاء شيء في ملك المدين لم يخرج منه.
3- دعوى عدم نفاذ تصرف المدين يرفعها الدائن، أما الدعوى الصورية فيرفعها الدائن وكل من له مصلحة مشروعة وأضرت به صورية التصرف.
4- يشترط في دعوى عدم نفاذ تصرف الدين أن يكون حق الدائن مستحق الأداء وتكون في حالة المطالبة أما في حال الاحاطة فلا يشترط الاستحقاق. أما في دعوى الصورية فلا يشترط الاستحقاق ويكفي أن يكون الحق خالياً من النزاع.
5- يشترط في دعوى عدم نفاذ تصرف المدين أن يكون حق الدائن سابقاً في الوجود على تصرف المدين المطعون فيه، أما في الدعوى الصورية فلا يشترط ذلك لأن الدائن في هذه الدعوى لا يطلب أكثر من تقرير عدم وجود تصرف المدين وهذا لا يتأثر بتاريخ نشوء حق الدائن.
6- تقوم دعوى عدم نفاذ تصرف المدين على فكرة منع الإضرار بالدائنين لذا يشترط أن تحيط الديون بمال المدين أو أن يؤدي التصرف إلى عجز المدين عن الوفاء بديونه فيلحق الضرر بالدائن، أما دعوى الصورية فتقوم على إظهار الوجه الحقيقي للتصرف وبالتالي يكون للدائن الطعن بتصرف المدين بالصورية ولو لم يؤدي هذا التصرف إلى إحاطة الديون بمال مدينه أو عجزه عن الوفاء بها.
7- دعوى عدم نفاذ تصرف المدين تسقط بالتقادم الثلاثي تبدأ من تاريخ علم الدائن بسب عدم نفاذ تصرف المدين في حقه كعلمه بإحاطة الدين بمال المدين وتسقط في جميع الأحوال بانقضاء خمسة عشرة سنة تبدأ من وقت صدور التصرف عن المدين (374 مدني أردني).
أما دعوى الصورية فلا تسقط بالتقادم لأنها تهدف إلى تقرير واقع مستمر لا ينتفي مهما مر عليه الزمن.
المطلب الثالث
دعوى عدم نفاذ تصرف المدين وجريمة تهريب الأموال
إذا كان الهدف من الوسائل الوسطى التي نص عليها المشرع في القانون المدني ومن ضمنها دعوى عدم نفاذ تصرف المدين هو من أجل المحافظة على أموال المدين باعتبارها الضمان العام للدائنين، فإذا ما قام المدين الذي أحاط الدين بماله بتصرفات ضارة بدائنه وتؤثر على الضمان العام فيحكم بعدم نفاذها في مواجهة دائنه عن طريق دعوى عدم نفاذ تصرف المدين هذا من الناحية المدنية، ولكن وبالرجوع إلى قانون العقوبات الأردني نجد أن المشرع قد رتب جزاء جنائي على من يهرب أمواله بقصد الإضرار بدائنيه وهو ما نصت عليه المادة (419) على "يعاقب بالحبس حتى سنه كل من:-
1- وهب أو افرغ أو رهن أمواله أو تسبب في ذلك بقصد الاحتيال على دائنيه.
2- باع أو نقل أي قسم من أمواله بعد صدور حكم أو قرار يقضي عليه بدفع مبلغ من المال وقبل تنفيذ ذلك القرار أو الحكم أو خلال مدة شهرين سابقين لتاريخ صدورها قاصداً بذلك الاحتيال على دائنه".
فالمدين الذي يرتكب إحدى الأفعال المشار إليها في النص أعلاه يجرم بجرم الاحتيال ويعاقب على ذلك.
لذا نجد أن الجزاء المدني يلتقي مع الجزاء الجنائي في أن كليهما يهدف إلى المحافظة على الضمان العام للدائنين وردع المدين من القيام بتصرفات ضارة بدائنيه .
وإدانة المدين بارتكاب جرم الاحتيال وتهريب الأموال خلافاً للمادة 419/2 يشكل حجية الحكم الجزائي امام القاضي المدني وهذا ما أشار إليه قرار محكمة التمييز الموقرة بقولها "أن عدم تعرض محكمة الموضوع للحكم الجزائي الصادر بحق المدعى عليه عن جرم تهريب أمواله ومدى قيمة الحكم القانونية في ضوء أحكام المواد (370 و371 و 372)، من القانون المدني الباحثة عدم نفاذ تصرفات المدين بحق الدائن يشوب الحكم المميز بقصور في التعليل"( ).
المبحث الثاني
تاريخ دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن
ويضم هذا المبحث مطلبين، ففي المطلب الأول نبحث في تاريخ هذه الدعوى في القانون المصري، وفي المطلب الثاني عن تاريخ هذه الدعوى في القانون الأردني.
المطلب الأول
تاريخ هذه الدعوى في القانون المصري
يعتبر القانون الروماني المصدر التاريخي الذي استقى منه معظم التشريعات احكام هذه الدعوى فبعد زوال الحقوق التي كان يتمتع بها الدائن على شخص المدين والتي يستطيع الدائن بمقتضاها قتل المدين أو استعباده واقتصرت حقوقه على إمكانية حبس المدين والتنفيذ على أمواله تنفيذاً جماعياً( ).
وبهدف المحافظة على أموال المدين ومنعه من تهريبها بقصد عدم التنفيذ عليها من قبل الدائنين وعدم السماح له بالتصرف فيها غشاً تدخل البريطور الروماني ليجعل من غش المدين ضد دائنه فعلاً غير مشروع يواجه بدعوى مسؤولية سميت بالدعوى البوليصية نسبة إلى البريطور بولص الذي قيل بأنه أول من ادخالها في القانون الروماني( ).
ويقال أن البريطور بولص هذا ليس ألا شخصاً خيالياً( ).ولم تكن الدعوى البوليصية دعوى واحدة بل كانت تشكل دعاوى متعددة أعطيت لحماية الدائنين في حالات مختلفة ولم تتوحد في دعوى واحدة الا في عهد جوستنيان( ),
وتدخل الدعوى البولصية ضمن اجراءات تصفية أموال المدين المعسر بطريقة جماعية بواسطة شخص يمثل الدائنين ويوكل إليه أمر تصفية أموال المدين وتوزيعها على الدائنين,فإذا لم تكفي هذه الأموال للوفاء بجميع ديونه, تظهر دور الدعوى البوليصية,بحيث يستطيع وكيل الدائنين رفعها للطعن بتصرفات المدين المنطوية على غش بحيث تؤدي إلى رد المال المتصرف فيه( ).
وقد انقلبت الدعوى البوليصية في القانون الحديث من دعوى جماعية إلى دعوى فردية بحيث يملك أي دائن رفعها إذا ما توافرت شروطها ويستفيد من أثرها كافة الدائنين الذين استوفوا شروط هذه الدعوى( ).
وقد كانت تسمى هذه الدعوى بدعوى إبطال التصرفات،وقد تأثر القانون المصري القديم بهذه التسمية إلا أن المشرع المصري رجع عن هذه التسمية في التقنين المدني المصري الحالي فسماها دعوى عدم نفاذ تصرفات المدين في حق الدائن( ).
ونجد أن التقنين المدني المصري الحالي قد أدخل بعض التعديلات الهامة على هذه الدعوى, وأهمها جعل نفع هذه الدعوى يعم كافة الدائنين الذين تتوافر فيهم شروط هذه الدعوى,ووسع من نطاق التصرفات التي يجوز للدائن الطعن بها بحيث شملت التصرفات التي تزيد من التزامات المدين, وتفضيل دائن على آخر,وكذلك يسر القانون الحالي إثباتها فأقام القرائن القانونية على إعسار المدين وعلى غشه وتواطئه,كما جعل للمتصرف إليه أن يتجنب الدعوى بإيداع ثمن المثل خزانه المحكمة,وأنشأ تقادماً خاصاً للدعوى مدته ثلاثة سنوات. ( ).
المطلب الثاني
تاريخ هذه الدعوى في القانون الأردني
لما كان المشرع الأردني قد استقى القسم الأكبر من القواعد المنظمة لهذه الدعوى من الفقه الإسلامي، وبالأخص من الفقه المالكي، فإن هذه الدعوى في الفقه الإسلامي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحجر على المدين المفلس( ).
ويرجع الفقهاء المسلمين مشروعية الحجر إلى الأدلة الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فبالنسبة لما ورد في القران الكريم، فقد رأى جمهور الفقهاء في قوله تعالى "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم"( ) خطاباً موجهاً إلى الأولياء أمروا فيه بالحيلولة بين السفهاء (المبذرون) وبين ما في أيديهم حماية للحقوق وصونا لها، فيصح إذن الحجر عليه وإعادة الحقوق لاصحابها، أما بالنسبة لما ورد في السنة النبوية الشريفة فإنها عديدة تشير إلى صحة ايقاع الحجر على المدين وحق الدائنين في اقتسام ماله، ومنها أن الرسول (ص) قد أجاز الحجر على معاذ بن جبل وبيعه لماله، ويستدل على مشروعية الحجر بالقياس أنه إذا كان المريض محجوراً عليه لمكان ورثته فأحرى أن يكون المدين محجوراً عليه لمكان الغرماء( ).
أما فقهاء المالكية فذهبوا إلى جواز تقييد تصرفات المدين دون حجر مستندين على أساس من القياس ومن الاستحسان، أما القياس فيقوم على أساس علة منع المدين من التصرف بالحجر وهي عجزه عن الوفاء بديونه فإذا وجدت هذه العلة قبل الحجر وجب قبول ثبوت الحكم وهو المنع، إلا أن المالكية لم يجعلوا المنع شاملاً بل جعلوه متدرجاً يتفق والخطورة التي تمثلها حال المدين المالية( ).
فالمدين الذي أحاط الدين بماله حتى قبل الحجر عليه ليس له التصرف بغير عوض لانه يضر بدائنيه، ولا يجوز تصرفه في ماله بغير عوض فيما لا يلزمه ولا تجري العادة بفعله من هبة وصدقه وغيرها ولكن يجوز بيعه وشراءه، أما في حالة التفليس العام وهي تعني قيام الدائنون على المدين يطالبونه بديونهم دون أن يطلبوا الحجر عليه فلا يجوز للمدين أن يتصرف بغير عوض أو يعوض وللدائنين أن يقتسموا ماله بالمحاصة( ).
أما من خلال الاستحسان .. فيرون أن تمكين المدين المفلس من التبرع فيه إبطال لحقوق الغرماء (الدائنون) والشريعة لا تأتي بمثل هذا وإنما جاءت لحفظ الحقوق وسد الطرق المفضية إلى إضاعتها( ).
والمشرع الأردني نص على شرعية هذه الدعوى بنصوص صريحة في القانون المدني( ).
المبحث الرابع
الطبيعة القانونية لدعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن
وفي هذا المبحث سنحاول بحث الطبيعة القانونية لهذه الدعوى في القانون المصري وكذلك الطبيعة القانونية لهذه الدعوى في القانون الأردني وذلك من خلال:-
المطلب الأول:- الطبيعة القانونية لهذه الدعوى في القانون المصري.
المطلب الثاني:- الطبيعة القانونية لهذه الدعوى في القانون الأردني
المطلب الأول
الطبيعة القانونية لهذه الدعوى في القانون المدني المصري
اختلف الفقهاء في تحديد الطبيعة القانونية لهذه الدعوى فهنالك رأي ذهب إلى أنها دعوى بطلان، ورأي أخر ذهب إلى أنها دعوى تعويض واخيراً ذهب رأي إلى أنها دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن مما تقتضي دراسة هذه الآراء وذلك من خلال:-
الفرع الأول:- الرأي القائل بأنها دعوى بطلان.
الفرع الثاني:- الرأي القائل بأنها دعوى تعويض.
الفرع الثالث:- الرأي القائل بأنها دعوى عدم نفاذ.
الفرع الأول:- دعوى عدم نفاذ تصرف المدين دعوى بطلان
ذهب رأي إلى أن هذه الدعوى هي دعوى بطلان مستندين إلى أن كلمة البطلان وردت في نصوص التقنين المدني الفرنسي،وإلى تقاليد القانون الروماني ، وما ورد في التقنين المدني المصري السابق( ).
وكذلك اعتبار هذه الدعوى دعوى بطلان تصرف المدين الذي أضر بدائنيه يقوم على أساس أن رفع الضرر الذي أصاب الدائن من التصرف لا يتحقق إلا بهدم هذا التصرف عن طريق إبطاله، وذلك حتى يمكن القول بأن الحق المتصرف فيه يخرج من ذمة المتصرف إليه بأثر رجعي وبالتالي يستطيع الدائن أن ينفذ عليه في أي وقت كما لو أنه لم يخرج من ذمة المدين ولا يتعرض إلى مزاحمة دائني المتصرف إليه أما لو اتبع لرفع الضرر عن الدائن طريقة التعويض العادي فإنه سيحكم للدائن الطاعن بمبلغ من النقود وسيتعرض لمزاحمة دائني المحكوم عليه الآخرين وهذا يتعارض مع ما هو مسلم به في هذه الدعوى من أنها تؤدي إلى تمكين الدائن من التنفيذ على الحق المتصرف به دون مزاحمة دائني المتصرف إليه وبالتالي هي دعوى بطلان وليست دعوى تعويض( ).
أما عن كيفية تفسير اقتصار اثر البطلان على الدائن رافع الدعوى وعلى المتصرف إليه فالفقه يبرر ذلك بالأثر النسبي لدعوى البطلان( ).
كما أن القول بأن هذه الدعوى دعوى بطلان هو الذي يبرر جواز الطعن في الهبة التي يبرمها المدين مع موهوب له حسن النيه لا يعلم عن حال المدين وعليه فهو لا يتفق مع قواعد المسؤولية التي تشترط الخطأ ولا يمكن اعتبارها دعوى تعويض( ).
هذا الرأي لم يسلم من النقد الذي يتمثل بالآتي:-
إن قواعد البطلان تتناقض مع أحكام دعوى عدم نفاذ تصرف المدين من حيث
أولا:- أن البطلان يترتب على التصرف إذا فقد أحد أركانه أو شروطه التي تستلزمها القانون وينص على بطلان هذا التصرف في حالة فقدان هذا الركن أو ذلك الشرط دون اعتبار لظروف خارجة عن هذا التصرف كحسن أو سوء نية احد أطرافه وبالتالي فتصرف المدين المشوب بالغش بقصد الإضرار بدائنه لا يكون تصرف معيباً بالصورة التي تؤدي إلى بطلانه لعدم فقدان هذا التصرف لشروطه أو أركانه ولكن يمكن أن يثور بالنسبة للغاية من هذا التصرف الذي يقصد به غش دائنيه فيقال أنه تصرف باطل لعدم مشروعية سببه ولكن هذا الأمر مستبعد لأن البطلان لعدم مشروعية السبب لا يتحقق إلاّ إذا كانت غاية التصرف مخالفة للنظام العام, بينما قصد الغش بالتصرف تكون الغاية منه الإخلال بمصالح الدائن فقط وبالتالي لا يؤدي إلى البطلان( ).
ثانياً:- إن الدائن لا يطلب إبطال التصرف الصادر من مدينه وإنما يبقى هذا التصرف قائم بين المدين والمتصرف إليه وكل ما يطلبه الدائن هو عدم نفاذ هذا التصرف في حقه لأن الدائن يعتبر من الغير في تصرف مدينه وبالتالي لا يجوز له طلب إبطاله لان البطلان لا يكون الا فيما بين المتعاقدين( ).
ثالثاً:- من حيث اثار الطعن بهذه الدعوى أنها لا تؤدي إلى هدم التصرف المطعون فيه الا في الحدود اللازمة لرفع الضرر الواقع على الدائن, وبالتالي فإن ما يبقى من ثمن الحق المتصرف فيه بعد استيفاء الدائن لحقه يكون من حق المتصرف إليه، ويستطيع المتصرف إليه أن يتجنب هذا الطعن بأن يوفي حق الدائنين، وهذه الآثار لا تتفق والآثار التي تترتب على البطلان( ).
والخلاصة أن دعوى عدم نفاذ تصرف المدين ليست بدعوى بطلان وذلك لاختلاف شروطها وآثارها عن شروط وآثار دعوى البطلان.
الفرع الثاني:- دعوى عدم نفاذ تصرف المدين دعوى تعويض
ذهب جانب من الفقه إلى اعتبار هذه الدعوى دعوى تعويض وذلك من خلال التقريب بين شروط وآثار هذه الدعوى وبين شروط المسؤولية عن الفعل الضار وقواعد تقدير هذا التعويض( ).
أما من حيث الشروط، فإنه يشترط لرفع هذه الدعوى أن يكون هنالك ضرر أصاب الدائن نتيجة تصرف المدين المعسر وهذا يقابل ركن الضرر في المسؤولية أما ركن الخطأ في دعوى المسؤولية يتمثل في هذه الدعوى في اشتراط غش المدين ومن تصرف إليه وأن علم المدين بإعساره يعتبر قرينة على توافر قصد الإضرار بالدائنين( ).
وإن قياس التعويض بما يساوي الضرر الحاصل هو الذي يقضي بأن يكون إهدار التصرف المطعون فيه بدعوى عدم نفاذ تصرفات المدين تكون في الحدود التي تلزم لرفع ما أصاب الدائن من ضرر ولذلك لا يسري أثر الطعن الا في علاقة الدائن بالمتصرف إليه أما علاقة المدين بالمتصرف إليه تبقى صحيحة ونافذة بما يزيد عما يلزم لتعويض الدائن( ) إلاّ أن هذا الرأي لم يسلم من النقد ومن الانتقادات التي وجهت إليه ما يلي:
أولاً:- لا يمكن اعتبار هذه الدعوى دعوى تعويض في التصرفات التي يجريها المدين تبرعاً إلى متبرع إليه حسن السنة، لأنه ليس هنالك خطأ ارتكبه المتبرع إليه لأنه يجهل إعسار المدين( ).
لذلك حاول البعض تكييف مسؤولية المتبرع له بأن يرد ما آثري به دون وجه حق على أساس الإثراء بلا سبب إلا أن الفقه لم يقبل جعل أساس الطعن بهذه الدعوى حق المتبرع إليه حسن النية على أساس الإثراء بلا سبب( ) لأنه يكتسب حقوقه بناء على تصرف المدين مما يجعل لإثرائه سبباً وهو العقد المبرم بين المتبرع له والمدين( ).
لذلك ذهب البعض إلى تبرير الطعن في التبرع إلى المتبرع إليه حسن النية على أساس المسؤولية ولكن ليست على أساس الخطأ وإنما على أساس تحمل المخاطر. ( )
ثانيا:- لو أن تصرف المدين ينفذ في حق الدائن فيضره فيعطي تعويض عن هذا الضرر لصح أن تكون هذه الدعوى دعوى تعويض, ولكن الواقع غير ذلك فتصرف المدين لا ينفذ في حق الدائن وبالتالي لا يستحق تعويضاً عن ضرر منع وقوعه وإذا صح أن يكون هذا تعويضاً فهو تعويض عيني( ).
ثالثاً:- إن التعويض في هذه الدعوى لا يتخذ صورته الأصلية وهو الحكم بمبلغ من النقود بل يكون تعويضاً عينياً يتمثل في اعتبار التصرف المطعون فيه كأنه لم يكون بالنسبة للدائن الطاعن, وذلك بهدم التصرف المطعون فيه بقدر الضرر الذي يصيب الدائن مع بقاء التصرف صحيحاً ونافذاً بين المدين والمتصرف إليه, ولكن ما هي الوسيلة التي يتم فيها الهدم البعض يرى بأن الوسيلة هي البطلان بقصد التعويض والبعض الأخرى يرى الوسيلة في فكرة عدم النفاذ( ) والخلاصة أن هذه النظرية لم تنجح في تحديد طبيعة هذه الدعوى.
الفرع الثالث:- دعوى عدم نفاذ تصرف المدين هي دعوى عدم نفاذ
هذه النظرية تلقى قبولاً متزايداً من رجال الفقه الحديث باعتبار عدم النفاذ الوسيلة المقبولة لتفسير خصائص هذه الدعوى وآثارها( ).
ولان هذه الدعوى ما هي إلا طريقاً يسلكه الدائن باعتباره من الغير لينال من القضاء حكماً بعدم نفاذ تصرف مدينه المعسر الذي اضر بحقوقه، |إذا كان هذا المدين سيئ النية في إجراء هذا التصرف لأن الأصل أن الدائن ينصرف إليه اثر العقد الصادر من المدين إذا كان حسن النية عند إجراء هذا التصرف، وعليه فتكون هذه الدعوى هي دعوى نفاذ تصرف المدين المعسر في حق الدائن( ).
فالدائن في هذه الدعوى لا يطلب إبطال التصرف الذي أجراه المدين، وانما يطالب بعدم نفاذ هذا التصرف في حقه، مع بقاء هذا التصرف منتجاً لإثارة فيما بين المدين والمتصرف إليه في الحدود التي لا تضر بحقوق الدائن.
وكذلك فالدائن لا يطالب بالتعويض من خلال هذه الدعوى لعدم وقوع الضرر لأن تصرف المدين لم ينفذ في حق الدائن وإنما يطالب بعدم نفاذ هذا التصرف في حقه وإذا ما طالب الدائن بالتعويض فلا يكون من خلال هذه الدعوى وإنما على أساس الفعل الضار إذا ما توافرت شروطه.
هذا التكييف الحديث لهذه الدعوى أخذت به كثير من التشريعات ومنها التشريع المصري الذي وصف هذه الدعوى بأنها دعوى عدم نفاذ ونص عليها صراحة، والفقه المصري مستقر الآن على أن طبيعة هذه الدعوى هي دعوى عدم نفاذ( ).
المطلب الثاني
الطبيعة القانونية لهذه الدعوى في القانون المدني الأردني
كما أشرنا سابقاً فإن المشرع الأردني اخذ أحكام هذه الدعوى من الفقه الإسلامي وبالتحديد من الفقه المالكي، وكذلك من بعض التشريعات العربية وبالأخص من التقنين المدني المصري والقانون المدني العراقي.
وكما هو في التقنين المدني المصري لا تعتبر هذه الدعوى في القانون المدني الأردني دعوى تعويض لأنها لا تستند على قواعد المسؤولية، ولأن تصرف المدين لم ينفذ في حق الدائن وبالتالي لم يصب بضرر حتى يمكنه من المطالبة بالتعويض وإذا كان هنالك تعويض فهو تعويض عيني يتمثل بالتزام المدين بعدم الإضرار بالدائن.
وكذلك لا يمكن اعتبارها دعوى بطلان وهذا واضح من خلال اثر هذه الدعوى في حال نجاحها فإنها لا تؤدي إلى إبطال تصرف المدين وإنما يبقى هذا التصرف منتجا لأثاره بين المدين والمتصرف إليه في الحدود التي لا تضر بالدائن وإنما تؤدي |إلى عدم نفاذ هذا التصرف في حق جميع الدائنين.
إذن فالطبيعة القانونية لهذه الدعوى هي دعوى عدم نفاذ وهذا واضح من خلال:
أولاً:- نصوص المواد 370 "إذا أحاط الدين حالاً أو مؤجلاً بمال المدين بأن زاد عليه أو ساواه فإنه يمنع من التبرع تبرعاً لا يلزمه ولم تجر العادة به وللدائن أن يطلب الحكم بعدم نفاذ هذا التصرف في حقه".
371 "إذا طالب الدائنون المدين الذي أحاط الدين بماله بديونهم فلا يجوز له التبرع بماله ولا التصرف فيه معاوضة ولو بغير محاباة وللدائنين أن يطلبوا الحكم بعدم نفاذ تصرفه في حقهم.."
373 "متى تقرر عدم نفاذ التصرف استفاد من ذلك جميع الدائنين الذين يضارون به".
وقد ورد في المذكرات الإيضاحية للقانون المدني"أنه أن كان لفظ بعض الفقهاء أن للدائن رد التصرف وإبطاله,إلاّ أنه رؤى في القانون المدني أن المتفق مع أحكام التفليس العام وأحكام الحجر مع أنهما أشد من مجرد احاطة الدين بالمدين,ومع حكمه هذا النص هو عدم نفاذ التصرف في حق الدائنين( ).
ثانياً:- وهذا ما أكدت عليه محكمة التمييز الموقرة في احد قراراتها بقولها " عرف الفقه والقضاء الدعوى البوليصية بأنها دعوى عدم نفاذ تصرفات المدين المعسر في حق الدائن وهي طريق يسلكه الدائن لينال من القضاء حكماً بأنه من الغير في تصرف صدر من مدينه المعسر أضر بحقوقه أي أنها دعوى بطلان من نوع خاص، وحيث أن البطلان لا يكون إلا فيما بين المتعاقدين فليس للغير أن يطلب إلا عدم نفاذ العقد في حقه( ).
وفي قرار آخر بقولها:" حيث أن مقتض منع النفاذ للتصرف في الأموال غير المنقولة الخاضع للتصرف فيها للتسجيل لدى دائرة الأراضي إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل تصرف المدين,حيث أن محكمة الموضوع قد توصلت بقرارها إلى هذه النتيجة وقضت على هذا الأساس فإنها تكون قد طبقت مفهوم منع نفاذ التصرف"( ).
المبحث الخامس
التكييف القانوني لدعوى نفاذ تصرف المدين في حق الدائن
قد ثار التساؤل حول تكييف هذه الدعوى هل هي دعوى شخصية أم عينية أم مختلطة.
فيرى جانب من الفقه أن هذه الدعوى هي دعوى شخصية لأن الدائن لا يطالب من خلال هذه الدعوى بنقل حق عيني له أو لمدينه، وإنما يطالب بعدم نفاذ تصرف المدين في حقه، وأساس هذا الطلب هو التزام المدين بالاّ يتصرف في ماله إضراراً بدائنيه وهو التزام شخصي مصدره القانون( ).
وهي دعوى شخصية حتى ولو كان الدائن يطعن بها في تصرف ناقل للملكية أو لحق عيني أخر لان الدائن يستند فيها إلى حقه الشخصي الذي يدافع عنه وإلى حقه في الضمان العام على أموال مدينه( ).
وكذلك فإن اثر هذه الدعوى التي يرفعها الدائن لا تؤدي إلى إرجاع العين التي تصرف بها المدين إلى ملك المدين أو أن يتملكها الدائن شخصياً، وإنما يبقى تصرف المدين قائماً ومنتجاً لإثارة بين المدين والمتصرف إليه، ويقتصر اثر هذه الدعوى على إعادة العين إلى الضمان العام للدائنين( ) لان الدائن لا يرفع هذه الدعوى باعتباره مالكاً لهذه العين أو باعتباره صاحب حق على هذه العين وإنما يرفع هذه الدعوى بهدف الحفاظ على الضمان العام للدائنين على أموال المدين وبالتالي فهي دعوى شخصية.
وذهب جانب أخر من الفقه إلى القول بأن هذه الدعوى هي دعوى عينية، وقد بنى أصحاب هذا الرأي قولهم على أساس أنهم يرون بان هذه الدعوى هي دعوى بطلان، وأن دعاوى البطلان هي دعاوى عينية لأنها تؤدي إلى إرجاع العين إلى ملك المدين( ) مما يضفي عليها طابعاً عينياً، الأمر الذي دفعهم إلى إلحاقها بالدعاوى العينية.
ولكن هذا الرأي لم يسلم من النقد الذي تمثل بالآتي:-
أولاً:- أن هذه الدعوى ليست بدعوى بطلان كما بينا سابقاً وبالتالي لا يمكن تكييفها على أنها دعوى عينية.
ثانياً:- مطالبة الدائن من خلال هذه الدعوى بإرجاع العين التي تصرف بها المدين إلى الضمان العام لا تقوم على أساس أنه مالكاً لهذه العين أو صاحب حق عليها، وإنما يفعل ذلك استناداً إلى حقه في الضمان العام على أموال المدين وهذا الحق هو حق شخصي وليس حقاً عينياً( ).
ثالثاً:- أن الأثر الذي يترتب على نجاح هذه الدعوى لا يتمثل بإرجاع العين التي تصرف بها المدين إلى ملكه أو أن يتملكها الدائن شخصياً، وإنما يبقى تصرف المدين قائماً ومنتجاً لإثارة، وإنما يقتصر اثر هذه الدعوى على عدم نفاذ هذا التصرف بحق الدائن عن طريق إرجاع العين إلى الضمان العام للدائنين( ).
وذهب رأي ثالث إلى القول بأن هذه الدعوى هي دعوى مختلطة، على أساس أن الدائن الذي يطعن بتصرفات المدين عن طريق دعوى عدم نفاذ تصرف المدين فإنه يمارس حقه الشخصي في الضمان العام، فإذا ما ترتب على نجاح هذه الدعوى إرجاع العين التي تصرف بها المدين إلى الضمان العام، فإن هذه الدعوى تنقلب من دعوى شخصية إلى دعوى عينية( ).
وقد اخذت بهذا الرأي بعض الأحكام الفرنسية القديمة، ويؤيده بعض الشراح المعاصرين( ).
ولم يسلم هذا الرأي من النقد والذي تمثل بالآتي:-
أولاً:- أن الدعوى لا تعتبر مختلطة إلا إذا كان رافعها يستند إلى حق شخصي وأخر عيني في وقت واحد، وهذا لا ينطبق على دعوى عدم نفاذ تصرف المدين لأن الدائن يستند فيها إلى حقه الشخصي فقط الذي يخوله حق الضمان العام على أموال مدينه( ).
ثانياً: أن الطبيعة القانونية لهذه الدعوى لا يمكن اعتبارها دعوى بطلان.
وبهذا فإن الرأي الراجح هو أن هذه الدعوى هي دعوى شخصية وليست دعوى عينية أو مختلطة( ).
الفصل الثاني
شروط دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن
تقتضي دراسة شروط دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن أن نحدد الشروط الواجب توافرها في حق الدائن والشروط الواجب توافرها في التصرف المطعون فيه، والشروط الواجب توافرها في المدين وذلك من خلال:-
المبحث الأول:- الشروط الواجب توافرها في حق الدائن
المبحث الثاني:- شروط التصرف المطعون فيه.
المبحث الثالث:- الشروط الواجب توافرها في المدين.
المبحث الأول
شروط حق الدائن
أولاً:- أن يكون حق الدائن ثابتاً وخالياً من النزاع
حتى يتمكن الدائن من الطعن بتصرفات مدينه عن طريق دعوى نفاذ تصرف المدين، لابد أن يكون حقه ثابتاً وخالياً من النزاع أما إذا كان حقه متنازعاً فيه فلا يستطيع استعمال هذه الدعوى( ).
وكذلك إذا كان حق الدائن معلقاً على شرط واقف أو مقترن بأجل واقف فلا يستطيع كذلك استعمال هذه الدعوى بعكس إذا كان حقه معلقاً على شرط فاسخ. أو مقترن بأجل فاسخ فإنه يستطيع استعمال هذه الدعوى لان حقه يعتبر ثابتاً وخالياً من النزاع( ).
ولا يشترط أن يكون حق الدائن ثابتاً في سند قابل للتنفيذ، لأن الدائن سيحصل على هذا السند عند رفع الدعوى وأن القاضي عند نظر هذه الدعوى سيتثبت من صفة المدعي بأنه دائن، ولا فرق بين دائن موضوع حقه نقد ودائن موضوع حقه عين أو عمل أو امتناع عن عمل، ولا فرق بين إذا كان مصدر الحق تصرفاً قانونياً أو واقعة مادية (كالعمل غير المشروع) ( ).
ولا فرق أن كان حق الدائن مدنياً يخضع لأحكام القانون المدني أو تجارياً يخضع لأحكام قانون التجارة، وعليه فالدائن صاحب الحق التجاري يستطيع أن يستعمل هذه الدعوى، وهذا ما أكدت عليه محكمة التمييز في قرار لها "ليس في القانون المدني ولا في قانون التجارة رقم 12 لسنة 1996 ما يمنع المميز ضدها من اللجوء إلى دعوى عدم نفاذ التصرف .... ولا يخالف أحكام القانون ولا يرد القول بأنه لا يجوز تطبيق قواعد القانون المدني على هذه الواقعة كونها لا تدخل تحت قواعد القانون المدني وإنما تدخل تحت قواعد القانون التجاري"( ).
ثانياً:- أن يكون حق الدائن مستحق الأداء.
ويتوقف اقتضاء هذا الشرط لرفع هذه الدعوى في القانون المدني الأردني على المرحلة التي ترفع فيها الدعوى.
فإذا ما رفعت الدعوى في مرحلة إحاطة الدين بمال المدين فلا يشترط في حق الدائن أن يكون مستحق الأداء أو حالاً، وإنما يستطيع الدائن ولو كان حقه مؤجلاً أن يطعن في التصرفات التي أجراها المدين في هذه المرحلة( ).
وهذا ما أشارت إليه نص المادة 370 من القانون المدني بقولها:"إذا أحاط الدين حالاً أو مؤجلاً بمال المدين بأن زاد عليه أو ساداه فإنه يمنع من التبرع تبرعاً لا يلزمه ولم تجر العادة به وللدائن أن يطلب الحكم بعدم نفاذ هذا التصرف في حقه".
أما إذا رفعت الدعوى في مرحلة المطالبة وهي مرحلة قيام الدائنون بمطالبة المدين الذي أحاط الدين بماله للوفاء ولم يتمكن من ذلك، فإنه يشترط في حق الدائن أن يكون حالاً أو مستحق الأداء وهذا الشرط أمر بديهي في هذه المرحلة لان الدائنون لا يستطيعون مطالبة المدين إلا إذا كانت ديونهم مستحقة الأداء وهذه المرحلة تسمى بالفقه الإسلامي مرحلة التفليس العام، وفي هذه المرحلة لا يقتصر المنع على التبرعات وإنما يشمل المعاوضات حتى ولو كانت بغير محاباة( ) وهذا ما أشارت إليه المادة 371 مدني بقولها "إذا طالب الدائنون المدين الذي أحاط الدين بماله بديونهم فلا يجوز له التبرع بماله ولا التصرف فيه معاوضة ولو بغير محاباة، وللدائنين أن يطلبوا الحكم بعدم نفاذ تصرفه في حقهم ولهم أن يطلبوا بيع ماله والمحاصه في ثمنه وفقاً لأحكام القانون".
وأن يكون حق الدائن مستحق الأداء يعني أن يكون الحق خالياً من النزاع لأن استحقاق لأداء مرتبته من الحقوق أعلى من مرتبة خلو الحق من النزاع فيه وطالما أن القانون اأشترط المرتبة الأعلى فمن البديهي أن تكون المرتبة الأدنى متوفرة( ).
وأي دائن حقه خال من النزاع يستطيع استعمال هذه الدعوى سواء أكان دائن شخصي أو دائن مرتهن أو دائن له حق امتيازـ لأنه لا يجوز أن يكون الرهن أو الامتياز الذي أريد به تقوية حق الدائن سبباً في أضعاف هذا الحق وحرمان الدائن مما هو ثابت لسائر الدائنين( ).
ولكن ما يثير التساؤل هنا هل يشترط أن يكون حق الدائن معين المقدار؟.
إذا كان حق الدائن يدخل في تقدير الإحاطة فإنه يجب أن يكون معين المقدار، ويمكن استخلاص هذا الشرط من خلال النصوص القانونية وما جاء في الفقه المالكي.
فالمادة 370 من القانون المدني اشترطت لقبول الطعن إحاطة الدين بمال المدين والإحاطة تعني أن ديون المدين تزيد أو تساوي على الأقل مال المدين وهذا لا يمكن الوصول إليه إلا بعد التثبت من قيام الدين ومن تحديد مقداره( ).
وأما ما جاء في الفقه المالكي، فيمكن استخلاص ذلك من النص التالي للحطاب"............ أن من وهب أو تصدق وعليه دين لقوم لا انه قائم الوجه لا يخاف عليه الفلس، أن أفعاله جائزة وان لم تحصر الشهود قدر ما معه من المال والدين"( ).
وهذا يعني أن أئمة المذهب المالكي قد ذهبوا إلى أنه لابد من التحقق مما لدى المدين من مال وما عليه من ديون في مرحلة الإحاطة وحتى يتم التثبت من إحاطة الدين بمال المدين.
أما بالنسبة للحق الذي ينشأ بعد تحقق الإحاطة وقبل قيام الغرماء بمطالبة المدين، لأن المنع بعد الإحاطة يقتصر على التصرفات المفقرة (التبرعات) أما تصرفات المعاوضة فهي غير ممنوعة في هذه المرحلة وهذا الحق قد يكون ناشئاً عن تصرف قانوني أو عن فعل ضار، وهذه الحالة لم يشير إليها النص القانوني، ولكن يرى جانب من الفقه أنه يجب أن تكون مقدرة، لان قبول طعن الدائن ذي الحق غير معين المقدار يخل بالمساواة التي اظهر الفقه المالكي حرصه على تحقيقها بين الدائنين( ).
وإذا كان يشترط أن يكون حق الدائن معين المقدار في مرحلة الإحاطة، فإنه يشترط كذلك في مرحلة المطالبة (التفليس العام) ( ).
ويرى جانب أخر من الفقه انه ما دام حق الدائن مستحق الأداء يستطيع ممارسة هذه الدعوى ولو كان حقه غير مقدر، فيستطيع المضرور في العمل غير المشروع، حتى قبل أن يقدر التعويض المستحق له أن يطعن بدعوى عدم النفاذ ضد تصرف صدر من مدينه المسئول عن العمل غير المشروع بقصد تهريب أمواله حتى لا ينفذ عليها الدائن من اجل الحصول على التعويض المستحق له( ).
ونجد أن المشرع المصري قد نص في المادة 237 من التقنين المدني الحالي على أن يكون حق الدائن مستحق الأداء( ) لان هذه الدعوى ليست مجرد إجراء تحفظي وليست إجراء تنفيذي، وإنما هي من مقدمات التنفيذ وقد يليها التنفيذ مباشرة لهذا يجب أن يكون الدين مستحق الأداء. ( )
وكذلك فعل المشرع العراقي حيث نص في المادة 263 القانون المدني العراقي على أن يكون حق الدائن مستحق الأداء( ).
وللدائن استعمال هذه الدعوى سواء أكان مصدر حقه تصرفاً قانونياً أو واقعة مادية( ).
ثالثاً:- أن يكون حق الدائن سابقاً في وجوده على التصرف المطعون فيه.
حتى يتمكن الدائن من الطعن بتصرفات مدينه بدعوى عدم نفاذ تصرف المدين يجب أن يكون حقه سابقاً على تصرف المدين المطعون فيه بعدم النفاذ، حتى يتوافر وجه للتظلم من ذلك التصرف الضار الذي قام به المدين، لأن الحق الذي تصرف به المدين يشكل جزءاًً من الضمان العام للدائنين مما يعطي الحق للدائن بالطعن بهذا التصرف لانه يؤدي إلى انتقاص أموال المدين التي تشكل الضمان العام للدائنين( ).
وهذا ما أكدت عليه محكمة التمييز الموقرة بقرار لها بقولها:"أن قيام المدين بالتخارج عن كامل حصصه الارثية لوالدته بعد تاريخ استحقاق الكمبيالتين وقبل الوفاء بقيمتها، وكانت حصصه الارثية التي تخارج عنها تقل عن المبلغ الذي تطالب به المدعية، فإن هذا التخارج غير جائز طبقاً لأحكام المادتين 370 و371 من القانون المدني"( ).
أما إذا كان تصرف المدين سابقاً على وجود حق الدائن فلا يستطيع الدائن من الطعن بهذا التصرف لأنه لم يكن جزءاً من الضمان العام للدائنين، ولعدم وجود الدين أصلاً، وبالتالي فإن هذا التصرف لا يلحق ضرراً بالدائنين ولا يستفيد الدائن من رفع هذه الدعوى لانتفاء شرط المصلحة( ).
واستثناءً على هذا الأصل يجوز للدائن أن يطعن في تصرف المدين ولو كان سابقاً على نشوء حقه إذا كان المدين يقصد من وراء إجراء هذا التصرف الأضرار بحق دائن المستقبل كما لو باع المدين بعض ماله أو وهبه في وقت يسعى فيه لعقد قرض بهدف إبعاد المال المتصرف فيه عن متناول يد المقرض، ففي مثل هذه الحالة يجوز للدائن على الرغم أن حقه لم يكن سابقاً على تصرف المدين أن يطعن بهذا التصرف عن طريق دعوى عدم نفاذ تصرف المدين لتوافر قصد الأضرار( ).
والعبرة بتاريخ وجود حق الدائن لا بتاريخ استحقاقه، فإذا كان الحق موجوداً قبل صدور التصرف ولو كان غير مستحق الأداء، فللدائن رفع هذه الدعوى للطعن بالتصرفات التي يجريها مدينه بعد وجود حقه إذا أصبح دينه مستحق الأداء في حال المطالبة في القانون الأردني، وكان الدين خالياً من النزاع( ).
فإذا تصرف المدين في وقت كان الدائن قد رفع دعوى عليه يطلب الحكم بحق متنازع فيه أو بتقدير تعويض ثبت سببه قبل صدور تصرف المدين، فللدائن بعد أن يحصل على الحكم الذي أصبح بموجبه حقه خالياً من النزاع ومقدراً ومستحق الأداء أن يطعن بتصرف مدينه لأن حقه موجود قبل صدور تصرف المدين ولأن الحكم لا يعتبر منشئاً لحق الدائن وإنما مقرراً له.( )
فإذا اتفق مقاول مع مالك على أن يقوم له بأعمال معينة مقابل مبالغ تستحق عند إتمام العمل في ميعاد معين، ثم تصرف المالك في أمواله قبل أن يستحق المقاول تلك المبالغ بإتمام العمل، فيعتبر حق المقاول سابقاً على التصرف المطعون فيه لأن العبرة بتاريخ الاتفاق لا بتاريخ ألاستحقاق( ).
ولا يستطيع من كان دائناً وقت التصرف بحق معلق على شرط واقف أن يستعمل هذه الدعوى عندما يتحقق الشرط لان الآثار تترتب من وقت تحقق الشرط ولا تسري بأثر رجعي، وهذا بخلاف القانون المصري الذي يترتب على تحقق الشرط الواقف أن الآثار المترتب على تحققه تسري بأثر رجعي( ).
وكذلك من كان دائنا وقت التصرف بحق مقترن بأجل واقف لا يستطيع استعمال هذه الدعوى عند حلول الأجل لان الحق لا يعتبر نافذاً إلا من وقت حلول الأجل لأمن وقت الاتفاق( ).
أما فيما يتعلق بتصرف المدين فالعبرة بتاريخ صدوره إذا كان من التصرفات التي لا يشترط القانون لها شرط التسجيل (ركن الشكل) أما إذا كانت من التصرفات التي يشترط القانون تسجيلها فلا تعتبر هذه التصرفات قانونية إلا بعد استيفاءها لشرط التسجيل بتاريخ تسجيلها لا بتاريخ صدورها.
كيفية إثبات أسبقية حق الدائن على التصرف المطعون فيه.
تطبيقاً للقواعد العامة فإن عبء إثبات كون حق الدائن سابقاً في وجوده على تصرف المدين يقع على عاتق الدائن الذي يطعن في تصرف المدين لأنه يعتبر شرطاً من شروط هذه الدعوى، والدائن باعتباره المدعي في هذه الدعوى هو المكلف بإثبات توافر جميع شروطها( ).
فإذا كان حق الدائن ناشئاً عن واقعة مادية فيجوز إثباتها واثبات تاريخ نشوئها بكافة الطرق، فإذا ما ثبت هذا التاريخ، أمكن تحديد ما إذا كان حق الدائن سابقاً على التصرف المطعون فيه أم لا، وذلك بالمقارنة بينه وبين التاريخ الثابت للتصرف المطعون فيه( ).
أما إذا كان حق الدائن ناشئاً من تصرف قانوني وكانت قيمته تتجاوز المائة دينار فيشترط أن يتم إثبات هذا التصرف كتابتاً( ).
ولكن هل يشترط في سند الدائن أن يكون له تاريخ ثابت؟.
أن المشرع الأردني لم ينص على اشتراط أن يكون حق الدائن ثابت التاريخ .
وكذلك المشرع المصري لم يشترط ذلك بل على العكس كما جاء في المذكرة الإيضاحية للتقنين المدني المصري انه كان بالامكان اشتراط ذلك من اجل إقامة الدليل على تقدمه على التصرف، ولكن المشرع اغفل ذلك إقتداءً بالمشروع الفرنسي الايطالي، والان الدائن يفاجأ في اغلب الأحيان بالتصرف الضار دون أن يكون قد احتاط من قبل لإثبات تاريخ سند الدين، ولا يشترط كذلك في التصرف المطعون فيه أن يكون له تاريخ ثابت وبخاصة أن الدائن لا يعتبر من الغير بالنسبة إلى هذا التاريخ قبل ثبوت توافر شروط دعوى عدم النفاذ( ).
وعليه يكون سند الدائن غير الثابت التاريخ حجة على المتصرف إليه، والى أن يثبت المتصرف إليه أن هذا السند قد قدم بالتواطؤ مع المدين للإضرار به. وكذلك يكون تاريخ تصرف المدين حجة على الدائن، فإذا كان ثابت التاريخ فتكون حجيتهُ مطلقة، أما إذا كان تاريخه غير ثابت كان حجةٌ على الدائن إلى أن يثبت العكس، وانه قدم عمداً لحرمانه من الطعن في التصرف بهذه الدعوى، ويكون الإثبات بكافة طرق الإثبات( ).
أما إذا كان سند الدائن ثابت التاريخ، فيكون حجة على المتصرف إليه، ويكون لتاريخ التصرف غير الثابت حجة على الدائن إلى أن يثبت العكس لان الدائن لا يعتبر من الغير قبل أن يثبت توافر شروط هذه الدعوى وعليه إذا كان التاريخ غير الثابت للتصرف سابقاً على التاريخ الثابت لحق الدائن جاز للدائن أن يثبت بجميع الطرق أن التاريخ قدم عمداً بقصد حرمانه من إقامة هذه الدعوى( ).
المبحث الثاني
الشروط الواجب توافرها في التصرف المطعون فيه
يشترط في تصرف المدين حتى يمكن الطعن به بدعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن، أن يكون ما صدر من المدين تصرف قانونياً أدى إلى افتقاره مما ترتب عليه إلحاق الضرر بالدائنين، وهذه الشروط ستناولها بالبحث من خلال هذا المبحث.
أولاً:- أن يكون تصرفاً قانونياً
حتى يستطيع الدائن من الطعن في التصرف الصادر من مدينه، يجب أن يكون ما صدر عنه تصرفاً قانونياً( ).
والتصرف القانوني هو كل عمل تنصرف إليه إرادة المدين بقصد إحداث اثر قانوني، سواء كان صادراً من جانب واحد كالإقرار أو الإبراء انه صدر من الجانبين كالبيع والهبة وسواء كان التصرف معاوضة أو تبرعاً ( )، ومع ملاحظة أن المدين في مرحلة الإحاطة يمنع من التبرعات دون المعاوضات التي لا تتضمن المحاباة أما في مرحلة المطالبة فإن المدين يمنع من التبرعات والمعاوضات ولو كانت بغير محاباة( ).
ومن التصرفات القانونية الصادرة من جانب واحد تنازل المدين عن حق عيني له كحق الانتفاع أو حق الارتفاق أو حق رهن، وتنازله عن وصية صادرة لمصلحته، وتنازله عن الاشتراط لمصلحته، وإبراؤه مديناً له من دين لان الإبراء تصرف قانوني صادر من جانب واحد( ).
ومن التصرفات القانونية الصادرة من الجانبين، سواء أكانت تبرعاً أو معاوضة الهبة والبيع والوفاء بمقابل والشركة والصلح والاشتراط لمصلحة الغير( ).
كما إذا أمن المدين لمصلحة أحد الدائنين أو لمصلحة أولاده، فللدائن إذا نجح في دعوه أن ينفذ على أقساط التأمين التي خرجت من مال المدين ولا يستطيع التنفيذ على مبلغ التأمين لأنه حق مباشر للمشترط لهم( ).
أما الأعمال المادية الصادرة عن المدين فلا تكون محلاً للطعن بهذه الدعوى، فلو أن المدين تسبب عمداً أو إهمالاً في الأضرار بالغير بعمل غير مشروع فترتب عليه التعويض مما أدى إلى إعساره، فلا يستطيع الدائن الطعن بهذا العمل بدعوى عدم نفاذ تصرف المدين، لأنه عمل مادي نافذ في حق الدائن( ).
أما إذا اتفق المدين مع المضرور على مبلغ التعويض فإن هذا الاتفاق يعتبر تصرفاً قانونياً، يستطيع الدائن أن يطعن به عن طريق هذا الدعوى، لأنه يتضمن من جانب المدين التسليم بنشوء الالتزام بالتعويض في ذمته( ).
وكذلك عمل المدين السلبي يعتبر عملاً مادياً لا يجوز أن يطعن به بهذه الدعوى، فإهمال المدين في المطالبة بأمواله الموجودة في يد الغير حتى تملكها بالتقادم، لايمكن للدائن أن يطعن بها بدعوى عدم نفاذ تصرف المدين ولكن يستطيع أن يتدخل الدائن باسم مدينه قبل تمام التقادم فيقطعه عن طريق الدعوى غير المباشرة( ).
والتصرفات غير المالية التي يقوم بها المدين لا تكون محلاً للطعن أيضاً بهذه الدعوى، فللمضرور أن يحاصص فيما يستحق له من دية أو ارش جناية في أموال المدين، ولا يستطيع الدائنون منعه، وللمدين أن يعفو عن قصاص وجب له ممالا مال فيه، أما أن كان فيه مال فانه يعد تصرفاً مالياً وبالتالي يكون محلاً للطعن بهذه الدعوى، وله أن يطلق زوجته ( ).
وقد أشار بعض الفقه لصورتان لدعوى عدم نفاذ تصرف المدين وهما التدخل في القسمة واعتراض الغير.
أما بالنسبة للتدخل في القسمة فقد نصت عليها المادة 1045 من القانون المدني( ) بهدف حماية مصلحة الدائنين في مراقبة سير القسمة ومنع المدين من استغلالها للإضرار بدائنيه، وهي صورة خاصة لدعوى عدم نفاذ تصرف المدين من حيث أن الدائن يطلب مراقبة القسمة لمنع ضرر محتمل وليس من اجل إصلاح ما وقع من ضرر( ).
فإذا اعترض الدائن على القسمة سواء كانت رضائية أو قضائية وذلك بإنذار يوجه إلى الشركاء إذا كانت القسمة رضائية أو بالتدخل أمام المحكمة إذا كانت قضائية وجب على الشركاء إدخاله في أعمال القسمة، وألا كانت غير نافذة في حقهم، ويكفي من الدائن إثبات تضرره من القسمة كأن تؤدي هذه القسمة إلى عدم كفاية مال المدين الشريك للوفاء بديونه أو تزيد في عدم كفايتها ومثالها بأن يفرز المدين لنفسه نصيباً اقل مما يستحقه بقصد الإضرار بضمان الدائنين( ).أما إذا لم يعترض الدائن أو اعترض ودعي للتدخل ولكنه لم يتدخل فإن القسمة تكون نافذة في مواجهته، ولا يستطيع أن يطعن بها إلا في حالة الغش إذا كانت قضائية، أما إذا كانت رضائية فإن الطعن بها يخضع للقواعد العامة، من حيث استناد الدائن إلى ضرر من جراء حصول القسمة ويتمثل هذا الضرر بانطواء القسمة على غبن أدى إلى إحاطة الدين بمال الشريك (المدين) أو زيادة إحاطته بها ففي مثل هذه الحالة يجوز له أن يطعن بها بدعوى عدم نفاذ تصرف المدين( ).
أما بالنسبة لاعتراض الغير على الحكم الصادر، فقد نصت عليه المادة 206 من قانون أصول المحاكمات المدنية( ).
فقد أعطى المشرع الحق لكل شخص لم يكن خصماً في حكم لا أصالة ولا وكالة ولم يدع إلى المحاكمة الصادر فيها الحكم بصفته شخص ثالث وكان ذلك الحكم يمس حقوقه أن يعترض عليه اعتراض الغير، باعتباره طريق غير عادي للطعن في الأحكام سمح به القانون( ).
والدائن في اعتراض الغير لا يطعن بتصرف قانوني صادر عن مدينه ولكن يطعن في حكم صدر ضد مدينه ويعتبر هذا الحكم حجة عليه أما لإهمال المدين في الدفاع عن حقه أو نتيجة لتواطؤ المدين مع خصمه حتى يصدر الحكم ضده إضراراً بالدائن ولأن الحكم الصادر ضد المدين يسري في حق الدائن وينتقص من ضمانه العام.
وهذه الصورة من الطعن هي صورة خاصة لدعوى عدم نفاذ تصرف المدين بحق الدائن إلا أن المستفيد من هذا الطعن هو الدائن الطاعن فقط ولا يستفيد منه باقي الدائنين( ).
ثانياً:- أن يكون التصرف مفقراً للمدين وضارا بالدائنين
أن مفهوم التصرف المفقر في نظر الفقه الغربي المتأثر بالقانون الروماني هو التصرف الذي ينقص من حقوق المدين، أي التصرف الذي يخرج مالاً من ذمة المدين المالية، أما التصرف الذي يزيد في التزامات المدين فلا يعتبر تصرفاً مفقراً وبالتالي لا يجوز الطعن به بدعوى عدم نفاذ تصرف المدين، على الرغم من أن اثر التصرفين واحد، فكلا التصرفين يؤثر على الضمان العام للدائنين( ).
هذا المفهوم كان مأخوذاً به في التقنين المدني المصري القديم، كما هو معمول به الآن في القانون الفرنسي، إلا أن المشرع المصري قد وسع من مفهوم التصرف المفقر عند وضع التقنين المدني الحالي فلم يعد التصرف المفقر مقتصراً على التصرفات التي تنقص من حقوق المدين وانما تشمل أيضاً التصرفات التي تزيد من التزاماته( ).
وبالتالي اصبح مفهوم التصرف المفقر هو التصرف القانوني الصادر من المدين والذي ينقص من حقوقه أو يزيد في التزاماته( ).
أما بالنسبة لهذا الشرط في القانون المدني الأردني فإنه مستمد من الفقه المالكي وللوقوف على مفهومه لابد من بيان الحالة التي ترفع فيها دعوى عدم نفاذ تصرف المدين.
الحالة الأولى:- رفع الدعوى بعد إحاطة الدين بمال المدين.
الحالة الثانية:- رفع الدعوى بعد قيام الغرماء (حالة المطالبة).
الحالة الأولى:- رفع الدعوى بعد إحاطة الدين بمال المدين
وهذه الحالة أشارت إليها المادة 370 من القانون المدني :"إذا أحاط الدين حالاً أو مؤجلاً بمال المدين بأن زاد عليه أو ساواه فإنه يمنع من التبرع تبرعاً لا يلزمه ولم تجر العادة به وللدائن أن يطلب الحكم بعدم نفاذ هذا التصرف في حقه". وهذه المادة مأخوذة من أحكام الفقه المالكي الذي يقصر أمكانية الطعن في هذه المرحلة على التصرفات التي تنقص حقوق المدين وبالتالي تؤدي إلى افتقاره بعد أن كان مليئاً فتؤدي إلى إضعاف الضمان العام للدائنين( ).
وفي هذه المرحلة يجوز للدائن الطعن بتصرفات المدين التي يجريها بغير عوض (التبرعات) كالهبة والصدقة والعتق والحمالة (الكفالة) والقرض، لأنها تصرفات تضر بالدائنين وكذلك الطعن بالمعاوضات كالبيع والإيجار إذا تمت بمحاباة، أي أن الثمن أو الأجرة اقل من ثمن أو أجرة المثل ولان المحاباة( ) في حقيقتها تبرع، والزواج بمهر يزيد على مهر المثل ففي هذه الحالة يستطيع الدائن الطعن بهذه الدعوى على الزيادة حتى لا تنفذ في مواجهة الدائنين الذين يستطيعون التنفيذ عليها في يد الزوجة( ).
أما زواج المدين على الرغم مما يتطلبه هذا الزواج من دفع المهر والإنفاق على الزوجة والأطفال فإنه يعد من التصرفات التي لا يجوز الطعن بها من قبل الدائنين وذلك لان عقد الزواج طبقاً للمذهب المالكي هو عقد معاوضة إذا تم بمهر المثل ومن امرأة واحدة فقط، أما الزواج بأكثر من واحدة فهو غير نافذ، وبالإضافة إلى انه عقد معاوضة، فالزواج يعتبر من التصرفات اللصيقة بشخص الإنسان والتي لا يجوز للدائنين الطعن بها، وبالإضافة للزواج فان للمدين أن يطلق زوجته ( ).
وهنالك من التبرعات لا تكون محلاً للطعن بهذه الدعوى أما لضألة المال المتبرع به وأما لأن المدين ملزم بها كنفقته ونفقة أولاده أو كما جرت به العادة كنفقة العيدين أو الأضحية فان هذه التصرفات نافذة في حق الدائنين( ) .
ويجوز للدائنين الطعن بتصرفات المدين التي يقوم من خلالها بسداد دين قبل حلول اجله أو أن يوفي ديناً عليه بكل ما عنده من مال لان مثل هذا الوفاء يضر بالدائنين إلا انه يجوز له أن يوفي ديناً حل اجله ببعض ماله( ).
والخلاصة أن وفاء المدين ينفذ في مواجهة الدائنين إذا تم وفقاً للشروط التالية:-
1- إذا تم الوفاء لدائن حل اجل دينه 2-أوان لا يتتجاوز قيمة المال المقدم للوفاء قيمة الدين الموفي به، 3-وأن لا يكون الوفاء لبعض الدائنين بجميع أموال المدين فإذا توافرت هذه الشروط كان وفاء المـدين نافذاً بحـق الدائنين ( ).
ولا يجوز للمدين الإقرار بدين عليه لشخص متهم عليه كأمه وأخيه وزوجته وصديقه، وذلك لوجود الشبهة في مثل هذا الإقرار، وسواء كان الدين ثابتاً بالإقرار أو بالبينة، إلا أنه يجوز إقرار المدين لشخص غير متهم عليه بشرط أن يكون ثابتاً بالإقرار لا بالبينة( ).
أما فيما يتعلق بتقديم المدين رهناً لأحد دائنيه فإذا كان الرهن أو التأمين يزيد من قيمة الدين أو القرض فمثل هذا التصرف يضر بباقي الدائنين، مما يجعل مثل هذا التصرف محلاً للطعن بدعوى عدم نفاذ تصرف المدين،أما إذا كان الرهن أو التأمين مقابل حصول المدين على قرض، وكان الرهن متوازناً مع قيمة الدين أو القرض ومع قدرات المدين المالية، فإن مثل هذا التصرف يكون نافذاً بحق الدائنين وذلك لتحقق المساواة بين الدائنين من جهة ومن جهة ثانية منع أو تقييد الضرر الذي يمكن أن يلحقه الرهن بحقوق الدائنين الآخرين( ).
أما تصرفات المدين التي يرفض فيها الإثراء، كامتناعه عن قبول الهبة أو التصرفات التي يرفض فيها المدين إنقاص التزاماته كرفضه الإبراء من دين عليه مثل هذه التصرفات وان كانت تؤثر على مكانة المدين المالية وتؤدي إلى إضعاف الضمان العام للدائنين إلا أنها لا تعتبر من قبيل التصرفات المفقرة وبالتالي لا تكون محلاً للطعن بها بدعوى عدم نفاذ تصرف المدين لأن مثل هذه التصرفات لم تتعلق بأموال كانت داخله من قبل في الضمان العام للدائنين( ).
وعليه فان مفهوم التصرف المفقر في مرحلة الإحاطة هو التصرف الذي يخرج مالا للمدين دون مقابل أو دون مقابل عادل يمكن للدائنين استيفاء حقوقهم منه، وهذا يقترب من مفهوم التصرف المفقر في القانون الفرنسي( ).
الحالة الثانية:- رفع الدعوى بعد مطالبة الدائنين مدينهم بالوفاء (حالة المطالبة)
وهذه الحالة نصت عليها المادة 371 من القانون المدني "إذا طالب الدائنون المدين الذي أحاط الدين بماله بديونهم فلا يجوز له التبرع بماله ولا التصرف فيه معاوضة ولو بغير محاباة، وللدائنين أن يطلبوا الحكم بعدم نفاذ تصرفه في حقهم ولهم أن يطلبوا بيع ماله والمحاصة في ثمنه وفقاً لأحكام القانون".
وتسمى هذه المرحلة في الفقه الإسلامي (حالة التفليس العام) وتتحقق بقيام الغرماء (الدائنون) على المدين لمطالبته بديونهم الحالة دون طلب الحجر عليه من قبل المحكمة( ).
ففي هذه الحالة يخضع المدين إلى حجر واقعي يغل يده عن التصرف في ماله سواء أكان تبرعاً أو معاوضة ولو بمقابل عادل (أي بدون محاباة)، ولا يجوز له أن يوفي ديناً حل اجله أو لم يحل ولا يجوز له أن يرهن ماله، ولا يجوز له التزوج من ماله ولو بواحدة، يجوز للدائنين طلب عدم نفاذ التصرفات التي يجريها المدين في هذه المرحلة ولهم طلب بيع أمواله والمحاصة في ثمنه".( )
أما إذا تم الحجر على المدين المفلس بحكم من المحكمة فتسمى هذه المرحلة "بالتفليس الخاص" وهو ما نصت عليه المادة 375 من القانون المدني، متى ثبت أن أموال المدين لا تكفي لوفاء ديونه الحالة( )، والتفليس الخاص يخرج عن موضوع بحثنا أي عن دعوى عدم نفاذ تصرف المدين وتدخل ضمن موضوع الحجر على المدين المفلس كأسلوب رابع لحماية الضمان العام للدائنين.
ولا يكاد يختلف التفليس العام عن التفليس الخاص من حيث الأسباب ومن حيث الآثار إلا من حيث أن الغرماء في التفليس العام لا يرفعون أمر المدين المفلس إلى القاضي للحجر عليه بينما في التفليس الخاص لا يثبت إلا بحكم قضائي، كما أن الدين المؤجل لا يحل في التفليس العام بينما يصبح حالاً في التفليس الخاص( ).
ومن خلال نص المادة 371 نجد أن المشرع لا يستلزم ان يكون تصرف المدين مفقراً حتى يسمح للدائنين الطعن به بدعوى عدم تفاذ تصرف المدين، لان المدين في مرحلة المطالبة يمنع من جميع التصرفات سواء أكانت تبرعية أو معاوضة ولو بغير محاباة.
وحتى تكون للدائن مصلحة في الطعن في تصرفات مدينه بهذه الدعوى يجب ان يكون الحق الذي تصرف فيه المدين، يمكن للدائن ان يستوفي حقه منه، أما إذا كان الحق محل التصرف غير مفيد للدائن أنعدمت مصلحته في الطعن في تصرف مدينه لعدم تضرره منه كأن يكون مثقلاً بحقوق عينية للغير تستغرقه، أو أن هذا الحق من الحقوق التي لا يجوز حجزها أو التنفيذ عليها( )، كالأموال والحقوق التي نصت عليها المادة (29) من قانون التنفيذ والمادة (142) من قانون أصول المحاكمات المدنية فمثل هذه الأموال تخرج من نطاق الضمان العام للدائنين لعدم إمكانية الحجز والتنفيذ عليها وبالتالي لا تكون محلاً للطعن بدعوى عدم نفاذ تصرف المدين وذلك لانتفاء شرط المصلحة.
وكذلك الحقوق المتصلة بشخص المدين لا تكون محلاً للطعن بهذه الدعوى كما لو نزل الواهب عن حقه في الرجوع في الهبة فهذا حق متصل بشخص المدين لا يكون محلاً للطعن بهذه الدعوى( )، وتنازل المدين عن حقه في التعويض عن الضرر الأدبي الذي أصابه لا يكون كذلك محلاً للطعن بهذه الدعوى لانه حق متصل بشخص المدين ولا يمكن اعتبارها من التصرفات المفقرة للمدين والضارة بالدائنين( ).
المبحث الثالث
الشروط الواجب توافرها في المدين
بالرجوع إلى نصوص المواد (370 و371)، من القانون المدني نجد أن المشرع يشترط في المدين أن تحيط الديون بأمواله، حتى يمكن تقييد تصرفاته الضارة بالدائنين، وهذا الشرط مأخوذ عن الفقه المالكي.
والمقصود بإحاطة الدين بمال المدين أن تكون ديونه الحالة منها والمؤجلة تزيد على ماله أو تساويه( ).
إلا أن المنقول أن إحاطة الدين بمال المدين تتحقق إذا زادت ديونه على ماله ولا تتحقق الإحاطة إذا كانت الديون مساوية لماله، إلا أن فقهاء المالكية يرون أن المساواة تكفي لتحقق الإحاطة، لان العلة وهي إتلاف مال الغريم متحققة في المساواة كما هي متحققة في الزيادة( ).
ومفهوم الإحاطة طبقاً للفقه المالكي هو ما اخذ به القانون المدني وهذا واضح من خلال نص المادة 370 "إذا أحاط الدين حالاً أو مؤجلاً بمال المدين بأن زاد عليه أو ساواه فإنه يمنع من التبرع تبرعاً لا يلزمه ولم تجر العادة به وللدائن أن يطلب الحكم بعدم نفاذ هذا التصرف في حقه".
ومتى تحققت الإحاطة منع المدين من التبرعات غير اللازمة أو لم تجر بها العادة، كأن يهب ماله لان الهبة تضر بالدائنين لانها عقد تبرع، ولا يجوز له التصرف معاوضة تصرفاً يتضمن محاباة لان المحاباة في حقيقتها تبرع، فمثل هذه التصرفات تضر بالدائنين مما يعطيهم الحق بإيقاف نفاذها عن طريق إقامة دعوى عدم نفاذ تصرف المدين( ).
وقد تكون أموال المدين زائدة على ديونه، ومع ذلك فإن الإحاطة تتحقق إذا كان من شأن التصرف أن يؤدي إلى زيادة الدين على أمواله أو مساواتها له( ) أي أن تصرف المدين هو الذي سبب إحاطة الدين بماله.
ونطاق المنع يشتد إذا قام الدائنون على المدين يطالبونه بديونهم الحالة ودون أن يطلبوا من القاضي الحجر عليه "مرحلة التفليس العام في الفقه المالكي". فيمنع المدين من التبرع والتصرف معاوضة ولو بغير محاباة، ويحق للدائنين طلب الحكم بعدم نفاذ هذه تصرف بحقهم عن طريق دعوى عدم نفاذ تصرف المدين، ولهم أن يطلبوا بيع ماله والمحاصه في ثمنه( ) وهذا ما نصت عليه المادة 371 من القانون المدني وأكدت عليه محكمة التمييز الموقرة في قرار لها بقولها "تقضي المادة 371 من القانون المدني بأنه إذا طالب الدائنون المدين الذي أحاط الدين بماله بديونهم فلا يجوز له التبرع بماله ولا التصرف فيه معارضة ولو بغير محاباة .." ( ).
هذا هو مفهوم الإحاطة في القانون المدني ويقابله في بعض التشريعات العربية ومنها التقنين المدني المصري والقانون المدني العراقي مفهوم إعسار المدين والمأخوذ عن الفقه الغربي.
وإعسار المدين يعني أن أمواله لا تكفي لوفاء ديونه، والإعسار في هذه الدعوى يقصد به الإعسار الفعلي الذي يتمثل في زيادة ديون المدين المستحقة الأداء على أمواله وليس الإعسار القانوني الذي يتطلب إجراءات معينة( ) فإذا طلب من المدين إثبات أن له أموال تساوي قيمة ديونه فيجب عليه أن يدل على أموال ظاهرة يمكن الحجز والتنفيذ عليها أما إذا كانت أمواله الظاهرة لا تقبل الحجز والتنفيذ فيعتبر المدين في هذه الحالة معسراً( ).
وعليه نجد أن مفهوم الإعسار الفعلي يختلف عن مفهوم الإحاطة من حيث أن الإعسار يتحقق إذا كانت ديون المدين المستحقة الأداء تزيد على أمواله ولا يتحقق الإعسار إذا كانت الديون مساوية لأموال المدين، بينما الإحاطة تتحقق إذا كانت الديون زائدة على أموال المدين أو مساوية لها.
ويجب أن يبقى المدين معسراً (إحاطة الدين بماله) إلى وقت رفع دعوى عدم نفاذ تصرف المدين أما إذا أصبح المدين موسراً بأن أصبح له أموال تزيد على ديونه كما إذا تلقى ميراث أو وصية أو عقد صفقة رابحة فلا يجوز للدائن أن يطعن في تصرف المدين لأنه لم تعد له مصلحة وذلك لانتفاء الضرر( ).
أما إثبات إحاطة الدين بمال المدين فالأصل أن البينة على المدعي وهو الدائن في هذه الدعوى فعليه يقع عبء إثبات دعواه إلا أن المشرع قد وزع عبء الإثبات بين الدائن والمدين، فجعل على الدائن إثبات مقدار الديون على المدين وعلى المدين أن يثبت أن له أمولاً تزيد على هذه الديون( ). وهذا ما نصت عليه المادة 372 بقولها" إذا ادعى الدائن إحاطة الدين بمال المدين فليس عليه إلا أن يثبت مقدار ما في ذمته من ديون وعلى المدين نفسه أن يثبت أن له مالاً يزيد على قيمة الديون.
فإذا اثبت الدائن ما على المدين من ديون فهذا يشكل قرينة قانونية على أن المدين في حالة إحاطة، ولكن المشرع جعل هذه القرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس من قبل المدين الذي بإمكانه أن يدحضها بان يثبت أن له أموالاً ظاهرة يمكن التنفيذ عليها تكفي للوفاء بهذه الديون وتزيد عنها.
وهذا ما أكدت عليه محكمة التمييز الموقرة بقرار لها بقولها "إذا ادعى الدائن إحاطة الدين بمال المدين فليس عليه إلا أن يثبت مقدار ما في ذمته من ديون و على المدين نفسه أن يثبت أن له مالا يزيد على قيمة الديون عملاً بالمادة 372 من القانون المدني".( )
والتساؤل الذي يثار هنا هل يشترط علم المدين بإحاطة الدين بماله؟.
من خلال قراءة نصوص القانون المدني الباحثة في دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن، نجد أن التصرف يقبل الطعن بهذه الدعوى أولاً يقبله بالنظر فقط إلى حال المدين (حالة الإحاطة) وطبيعة التصرف إذا كان معاوضة أو تبرعاً، ولم تشترط نصوص القانون المدني علم المدين بإحاطة الدين بماله، وإنما ورد هذا الشرط في المذكرات الإيضاحية للقانون المدني والتي أخذته بدورها عن الفقه المالكي الذي يشترط علم المدين بإحاطة المدين بماله.
فإذا كان المدين يعتقد أن الدين غير محيط بماله، أو كان لا يعلم هل يكفي ماله لوفاء ما عليه من الديون، تكون تصرفاته نافذة، حتى لو كان الدين فعلا محيط بماله وهو لا يعلم فالعلم المطلوب من المدين هو أن يعلم يقيناً أن الدين محيط بماله فلو كان المدين يتصرف تصرفاً مألوفاً لا سرف فيه ولا محاباة وهو يعتقد أن تصرفه مأمون ولم يتحقق من أن ديونه مستغرقه لجميع ماله، فتصرفه جائز. ( )
ويفهم من قوله أحاط الدين بماله أي أن المدين علم أن الدين أحاط بماله فلو لم يعلم ذلك لم يمنع من التبرع( ).
أما إذا علم المدين بإحاطة الدين بأمواله، أي علم أن ديونه قد زادت على أمواله أو أصبحت مساوية لأمواله، فيمنع من إجراء التصرفات التي نصت عليها المادة 370 من القانون المدني( ).
أما في مرحلة المطالبة (التفليس العام) وفيها يطالب الدائنون مدينهم بالوفاء ويعجز المدين عن الوفاء فلا يشترط علم المدين بعدم كفاية أمواله للوفاء بديونه لان العلم قد تحقق بمطالبة الدائنين( ).
وطبقاً لنص المادة 372 من القانون المدني والذي من خلالها أعطى الدائن قرينه قانونية بسيطة من اجل إثبات إحاطة الدين بمال المدين بأن يثبت مقدار الديون التي على المدين وعلى المدين إثبات أن له أموال تزيد على ديونه، ولذلك ومن خلال هذا النص نجد أن المشرع الأردني لا يشترط علم المدين بإحاطة الدين بماله وإنما كل ما يشترطه هو التثبت من الإحاطة وبذلك يكون قد حصر دفع المدين في دعوى عدم نفاذ تصرف المدين، بدفع واحد وهو أن يثبت أن له مالاً يزيد عن مقدار الديون، أما في حال مطالبة الدائنين مدينهم بالوفاء وعجزه عن ذلك فيعد إثباتاً على علم المدين بإحاطة الدين بماله.
وهذا ما أكدت عليه محكمة التمييز الموقرة في قرار لها بقولها " يستفاد من المادة 371 من القانون المدني على أنه يستوي الأمر إذا كان هناك حسن نية أو سوئها عند البيع، طالما ثبت للمحكمة أن المدين قد أحاط الدين بماله"( )
*هل يشترط القانون غش المدين
بالرجوع إلى نصوص القانون المدني الأردني (370-374) نجد أن المشرع لم ينص صراحة على اشتراط الغش من جانب المدين سواء أكان التصرف تبرعاً أو معاوضة وإنما يتوقف الطعن بتصرفات المدين على إحاطة الدين بماله وطبيعة التصرف إذا كان معاوضة أو تبرعاً.
أما بعض القوانين العربية ومنها التقنين المدني المصري والقانون المدني العراقي التي أخذت أحكام هذه الدعوى عن الفقه الغربي قد اشترطت الغش من جانب المدين.
ففي التقنين المدني المصري فرق المشرع من حيث اقتضاء شرط الغش بين أعمال المعاوضات والتبرعات، فإذا كان التصرف من المعاوضات فيشترط للطعن فيه بدعوى عدم نفاذ تصرف المدين الغش من جانب المدين أما إذا كان التصرف من التبرعات فلا يشترط الغش من جانب المدين( ).
وقد يسر المشرع المصري على الدائن إثبات غش المدين، فما على الدائن إلا أن يثبت أن المدين كان يعلم أن هذا التصرف يسبب إعساره أو يزيد في إعساره، ولكنها قرينة غير قاطعة، يستطيع المدين أن يدحضها بأن يثبت بأنه على الرغم من علمه بإعساره إلا انه لم يقصد إلحاق الضرر بالدائن( ).
وكذلك فعل المشرع العراقي الذي اشترط الغش من جانب المدين في العاوضات دون التبرعات( ).
وبما أن المشرع الأردني لم ينص صراحة على اشتراط الغش من جانب المدين سواء في العاوضات أو التبرعات وعليه يجب